تخطَّ إلى المحتوى

على بعد قافلة من الغربة

غير معروف

١٤٩ بيت

المتفرقات

عَلى بُعد قافِلة من الغُربةْ

شربنا حَبَّةَ المَلَل الأَخيرة

رَسَمنا طلاسِمنا على ذاكِرة الرِّمال

قال الصبيُّ ذو الوجه المُعَفَّر بالتراب:

هل جاءَ "غدًا"؟

وإذا...

لماذا تبكي السنابلُ

والشوارع

والمدارس

لماذا تَئِنُّ الكروم في مقصلة الألم

قال العجوز المُدجَّجُ بالجَداول والثقوب

لقد جاء "غدًا"

لكِنَّهُ فقد العروسَ التي تُوظِّبُ شَعره

جاعَ في الطريق

وَلَم يأكُل سِوى خَيطٍ من لهيبِ الشّمس

وأنا

لَستُ أعرفُ كيفَ عُدت

كنتُ مع طفلٍ آخرَ

كانَ يُحبُّني كَثيرًا

وفي لحظةٍ صارَ شجرة

قَطَفْتُ منها حِكايَةً خَريفيَّةً سوداء

وَوَجَدتُني هنا

ربَّما لو أسبحُ في النَّهر من جَديد

أعودُ إليكَ يا وَلَدي

قلتُ لَهم:

في اللَّحظَة الأولى

رأيتُ النَّهرَ قطعةً لامِعَةً من الفولاذ

يَمشي عَليها النَّملُ أسرابًا

ولا يحكي

ظَننتُ أنّي أصبتُ بالصَّمم

إلى أن جاءَت الغربانُ من وادي السَّلاحف

قَعْقَعَتْ طَويلًا حتى نَسِيتُ الحُروف

وَقَعْقَعْتُ أنا مِثلَها

قاع قاع قاع

قاع قاع

قااااااااااااع

وَتَغَيَّرتْ رِوايَتي

لامَسْتُ وَجهي

فلم أجِدْ وَجهي

وَسَبَحتُ في الفولاذ

قالَ الشابُّ ذو القُبَّعَةِ الرَّماديَّة

كُنْتُ في مَركبتي

كانَ المذيعُ يَحكي عن حالَةِ الطقس

وفجأةً تَهَدَّجَ صَوتُهُ

قال:

" من اليوم

سَتُلغى نَشرَةُ الأخبار"

أوقَفْتُ مَرْكَبَتي

وَتَطايَرَتْ أشلاءُ الرِّفاقِ في ساعة الميدان

سَمِعْتُ الحُروف تَئِنُّ مُفْرَدَةً في ساعة الميدانْ

العَقاربُ لاذَتْ بالفرار إلى هيكلٍ آخر

تَشَكَّلَ مِثل غَيْمَةٍ في الرَّماد

لَسَعَتْنا جميعًا وَمضَةٌ مَسْحورَةٌ

وَوَجدتُني قُربَ هذا النَّهر

أَمورُ في الشَّظايا

مِثلَ كاهنٍ عتيقٍ لم يجد نارًا

لِيوقِدَ السَّماء

قَفَزَ العجوزُ في النهر

فاخْضَرَّت المياه حولَه

قالت الفتاةُ الحائرة

وهي تجلسُ بين الصُّخور:

"قفزتُ مثله ذات مرة

لم يكن معي سوى لعبةٍ خشبيَّة

في وجهها دَهشة

ورَغْبَةٌ في المسير

ثُمَّ وَجَدْتُني هنا

دونَ لعبتي

أسيرُ في القافلة

دونَ انتظار

كَعَقْرَبٍ مَرَّةً

وَمَرَّةً كَقِطَّةٍ جَميلة

لكِنَّ ذاكرتي

ذابتْ في المياه

مثلَ دمعةٍ مالِحَة

على بعد قافلة من الغربة

رأيتُ الماءَ مُبْتَلّا بالأغاني

شربتُ حتّى جَحَظَتْ عُيوني

وعندما جَرَّبْتُ أن أغنّي

جَمَعَتْني الأمطارُ في قَطَراتِها

قَذَفَتني نحوَ النُّجوم

خَشِيْتُ في الطريق أن أحتَرق

لكنَّها كانتْ مُشِعَّةً وباردة

مثل جوهرة

أشبعتُ من صَوْتِها عُيوني

وَمَضَيْتُ في خَدَرٍ عَميق

إلى أنْ وَجَدتُني هُنا

مثل جرحٍ مُجَنَّح

في ضِفَّةِ الحَريق

قالت الفتاةُ الحائرة

كنتُ أَظُنُّهُ حبيبي

وشاءَتِ الصُّدفةُ أن غَفوتُ في القِطار

حَلمتُ أنني أزرعُ الأطفالَ في القمر

فَيَنْبُتون مُبتَسِمين

تنسابُ كركراتُهم

مثل الضياء

لكنَّني تجاوزتُ المَحَطَّةَ

دونَ أنْ أدري

فَوجَدتُ في شَعري شَيبةً بيضاء

أهديتُها للمسافرين

كي يَصنَعوا مِنها لِقاءً أكثرَ صِدقًا

وَوَجَدتُني هنا

قربَ هذا النَّهر

وَيَدي خاويةٌ تَمامًا

قالَ الصبيُّ وهوَ يَغسِلُ وجهَهُ في النَّهر

وَدَدْتُ لو عَرفتُ المَواعيدَ جَيِّدًا

جاءَتِ الأمطارُ بعدَ أنْ ماتَ الزَّرع

أغلقوا البابَ عندما عرفتُ أبي

وعِندما سَرَقْتُ كِتابًا

تَغَيَّرَ شكلُ الحُروف

ماذا تُريدُ منّي السّاعَة؟

كيفَ أَتَماهى في الجُنون؟

قالت الفتاة الحائِرة

عندَما خَرجتُ مِن القطار

حاصَرَني رِجالُ الشُّرطَة

كانَ بينهم وجهٌ

كَأَنَّه حبيبي

غيرَ أَنَّهُ صَلبٌ مِثلُ حَجَر

صامِتٌ مثلُ تابوت

صغيرٌ مثلُ قَمْلَة

غَيَّروا اسمي

وَوَجهي

وَصوتي

ثمَّ مَنَحوني مِرآة

وأطلقوني في الفَراغ

رأيتُ أمّي في الفراغ

حَنونةً

لكنَّها مُنكَسِرة

جَميلةً

لكنَّها لا تعرِفُني

على بُعدِ قافلة من الغربة

رأيتُ الجَمعَ يُحاصِرُ الأسوار

وَقَفَ الخطيبُ على المسرح الخشبيّ

ألقى كلامَهُ ثَقيلًا مثلَ مطرقة

قال الشرطيّ

أنا أيضًا فقدتُ هَراوَتي وأسلحتي

لمْ يكنْ داخلَ السورِ منْ أَحَدٍ

سِوى طفلٍ قليلِ الحَظِّ

وامرأةٍ غَبيَّة

حاولتُ أن أعرِفَ وُجوهَ الأصدقاء

رائحةَ الزيتِ والزَّيتون

لونَ الليلِ في جَديلَةِ سلمى

لكنَّ الخطيبَ ألهَبَتْهُ الحَماسة

فأطلقَ الغِربانَ من أَقفاصها

وَرُحنا نُقَعْقِع

قاع... قاع

قاع

قااااااااع

لقد تَغَيَّرَ مجرى النهر

وَلنَنْتَظِر عَقارِبَ الساعة