سَلُوا اللَّيْلَ عَنْ سِرِّ الهَوَى كَيْفَ يُسْتَرُ
وَعَنْ قَلْبِ صَبٍّ حِينَ يَمَسَسْهُ جَمْرُ
أَنَا ابْنُ القَصِيدِ السَّاطِعِ الفَجْرِ مُعْلِنًا
أَرَى فِي دُجَاهُ الحُسْنَ يُكْتَبُ والقَدَرُ
وَقَفْتُ بِبَابِ الحُسْنِ وَهِيَ مُهِيْبَةٌ
تُنَاجِي مُلُوكَ العِشْقِ أَنْ يُفْتَحَ السِّتْرُ
فَهَزَّ فُؤَادِي صَوْتُ سَارَةَ فَانْبَرَى
لَهُ الشِّعْرُ مِنْ وَجْدٍ وَهَامَ بِهِ الفِكْرُ
فَأَقْسَمْتُ: لَا أَرْضَى سِوَى مَجْدِ حُبِّهَا
وَإِنْ خَانَ كُلُّ العَاشِقِينَ لِيَ الصَّبْرُ
وَقَفْتُ وَسَيْفُ العِشْقِ يَقْطُرُ مِنْ دَمِي
وَلِلصَّبْرِ فِي مَيْدَانِهِ لَوْعَةٌ أُخَرُ
تَلَظَّى فُؤَادِي مِنْ نِدَاهَا وَإِنَّمَا
تُطَفِّئُ نَارَ الحُبِّ أَنْفَاسُهَا الطُّهْرُ
إِذَا مَا بَدَتْ سَارَتْ كَأَنَّ سُحَابَةً
مِنَ النُّورِ تَجْرِي فِي مَرَاقِيْهَا الزُّهُرُ
وَأَوْمَضَ مِنْ ثَغْرِ الجَمَالِ تَبَسُّمٌ
كَأَوَّلِ فَجْرٍ فِي دُجَى القَلْبِ يَنْشُرُ
إِذَا نَطَقَتْ سَارَتْ حُرُوفُ حَدِيثِهَا
نُجُومًا تُنَاجِي الحُسْنَ إِذْ زَانَهَا السِّحْرُ
لَهَا نَظْرَةٌ تَنْسَى اللُّغَاتُ فَصَاحَتِي
وَتَخْرُسُ فِي نُطْقِي إِذَا نَطَقَ الوَتْرُ
فَأُقْسِمُ مَا أَنْسَى وَلَا الدَّهْرُ مَاحِيًا
مَلامِحَ مَنْ أَهْوَى وَإِنْ خَانَنِي الدَّهْرُ
أُحِبُّكِ حُبًّا لَوْ تُقَاسُ جِبَالُهُ
لَمَالَتْ وَأَعْيَاهَا بِثِقْلِهِ الوَقْرُ
أُحِبُّكِ حَتَّى خِلْتُ أَنِّيَ خِلْقَةٌ
مِنَ الوَجْدِ لَا طِينًا وَلَا صَاغَنِي الحَجَرُ
وَأَسْقِيْكِ مِنْ رُوحِي نِدَاءً مُؤَبَّدًا
كَأَنَّ الهَوَى سِفْرٌ وَقُرْآنُهُ السَّطْرُ
أَيَا سَارَةَ الأَنْوَارِ يَا قِبْلَةَ المُنَى
إِذَا غِبْتِ عَمَّنْ فِي هَوَاكِ لَهُ عُذْرُ
أَرَى الكَوْنَ مِرْآةً لِوَجْهِكِ كُلَّمَا
تَبَدَّى سَنَاهُ اسْتَصْغَرَ النَّاسُ مَا الدُّرُّ
إِذَا ذَكَرَتْ عَيْنَاكِ رَبَّ جَمَالِهَا
تَجَلَّى لَنَا سِرٌّ بِهِ نَزَلَ القَدَرُ
خُذِينِي إِلَى عَيْنَيْكِ يَا نَبْعَ رَحْمَةٍ
فَفِي نُورِهِمَا قَدْ غَارَ مِنْ قَلْبِيَ البَحْرُ
أُنَاجِيكِ فِي صَمْتِ المَسَاءِ كَأَنَّنِي
أُصَلِّي لِحُسْنٍ عِنْدَهُ يَخْجَلُ القَمَرُ
أَنَا العَاشِقُ المَسْحُورُ فِيكِ وَمَا دَرَى
قَلْبِي أَيَهْوَاكِ أَمْ بِهِ الهَوَى يَسْرُ؟
أُطِيلُ قِيَامِي فِي مِحْرَابِ لَحْظِكِ
كَأَنِّي أَمَامَ اللهِ حَلَّ بِيَ الذُّكْرُ
وَفِي خَافِقِي مِنْ حُبِّكِ الوَجْدُ جَذْوَةٌ
تُضِيءُ الدَّيَاجِي إِنْ تَأَخَّرَهَا الفَجْرُ
يُنَادِيْنِي الإِلْهَامُ: اكْتُبْ هَوَاكَ فَإِنَّهُ
كِتَابُ خُلُودٍ ضَمَّهُ الحُسْنُ وَالبَّدْرُ
فَإِنْ سُئِلَ العُشَّاقُ يَوْمًا عَنِ الهَوَى
أَتَوْا بِاسْمِهَا فِي كُلِّ قَلْبٍ يَسْتَقِرُّ
رَأَيْتُكِ وَالإِشْرَاقُ يَهْمَسُ حَوْلَنَا
فَذَابَ لِمَا أَبْدَاهُ مِنْكِ لَنَا الثَّغْرُ
كَأَنَّكِ مِنْ سِرِّ الخُلُودِ وَنَسْمَةٍ
تَهَامَسَ فِيهَا الطُّهْرُ وَامْتَزَجَ الشَّذْرُ
إِذَا لَامَسَتْ كَفَّاكِ جُرْحَ تَلَهُّفِي
تَلَاشَى الأَذَى وَاسْتَبْشَرَ الدَّمْعُ وَالصَّدْرُ
رَأَيْتُكِ مَعْنَى اللهِ إِذْ صَاغَ رَوْعَةً
مِنَ النُّورِ تَسْتَغْنِي بِهَا أَجْمَلُ الصُّوَرُ
لَكِ اللهُ مَا أَحْلَاكِ، بَلْ أَنْتِ آيَةٌ
يُنَاجِي بِهَا العُبَّادُ مَا خَلَقَ البَشَرُ
سَأَلْتُ المُنَى: هَلْ فِيكِ سِرٌّ أَعَزُّ مِنْ
لِقَاءٍ؟ فَقَالَتْ: فِي هَوَاهَا لَكَ الذُّخْرُ
أَنَا العَاشِقُ الصَّوَّامُ عَنْ كُلِّ غَايَةٍ
سِوَى وَجْهِهَا، مَا لِي عَلَى غَيْرِهَا أَمْرُ
إِذَا ذُكِرَتْ فِي الأَرْضِ سَارَةُ حَسِبَتْ
مَلَائِكَةً بِالطُّهْرِ فِي ذِكْرِهَا تُجْهَرُ
فَأَشْرَقَ فِي قَلْبِي ضِيَاءُ مَحَبَّةٍ
تُنَاجِي بِهَا الأَرْوَاحُ إِنْ غَابَهَا الخِدْرُ
وَعُدْتُ إِلَى رَبِّي بِقَلْبٍ مُوَحِّدٍ
كَأَنِّيَ مِنْ صَفْوِ الهَوَى وُلِدَ اليُسْرُ
وَقَفْتُ أَمَامَ الدَّهْرِ وَالصَّمْتُ حَوْلَهُ
كَأَنِّي لَهُ سِرٌّ تُفَكُّ بِهِ الأُسْرُ
وَقُلْتُ لَهُ: مَهْلًا، فَأَنْتَ كِتَابُنَا
وَأَنَا الَّذِي أُمْلِي، فَلِي الحِبْرُ وَالجَهْرُ
أَنَا الحُبُّ، لَا تُخْفِي يَدَيَّ مُنَازِعًا
فَإِنِّي إِذَا خَطَّيْتُ يُتْبِعُنِي الأَمْرُ
كَتَبْتُ عَلَى وَجْهِ الرِّيَاحِ حِكَايَةً
إِذَا مَرَّتِ الأَزْمَانُ يُزْهِرُهَا النَّضْرُ
وَقَالَ لِيَ الوَقْتُ المَهِيْبُ: تُرَاكَ مَنْ؟
فَقُلْتُ: أَنَا المَعْنَى، وَوَجْهُ الهُدَى سَفَرُ
وَإِنَّ سَارَةَ العُلْيَا مَلَأْتُ وُجُودَهَا
جَمَالًا يُضِيءُ اللَّيْلَ إِنْ سَادَهُ الغَمْرُ
بِهَا خُلِقَ الإِبْدَاعُ حِينَ تَبَسَّمَتْ
فَطَأْطَأَ مِنْ هَيْبَتِهَا النَّجْمُ وَالبَهْرُ
فَلَا الدَّهْرُ يُبْلِيهَا، وَلَا المَوْتُ يَمْسُهَا
إِذَا ذُكِرَتْ، فَالذِّكْرُ مِنْ نَسْلِهَا فَخْرُ
أَنَا اليَوْمَ أَكْتُبُ فِي الهَوَى مَا تَعَذَّرَتْ
عَنْهُ القَصَائِدُ وَالقَوَافِي الغُرُّ
ويَشهدُ تاريخُ الجَمالِ بأنّني
كتبتُ بسارةَ ما يَعجزُ الشِّعرُ
رَفَعْتُ لَهَا تَاجَ الخُلُودِ بِمَعْبَدٍ
تَطُوفُ بِهِ الأَرْوَاحُ إِنْ ضَاعَ الأَثَرُ
وَقَالَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ: تِلْكَ مَلِيكَةٌ
عَلَى عَرْشِهَا يَبْقَى الجَمَالُ لَهُ القَهْرُ
إِذَا ذُكِرَتْ نَامَتْ عَلَى حُلْمِ صَوْتِهَا
قَوَافِي الهَوَى وَاسْتَيْقَظَ الشَّوْقُ وَالسَّمَرُ
تَهَادَتْ فَمَالَ الصُّبْحُ مِنْ خَطْوِ ظِلِّهَا
كَأَنَّ بِهِ مِنْ سِحْرِ خَصْرِكِ ذَا العِطْرُ
أَيَا سَارَةَ الأَزْمَانِ حُسْنُكِ آيَةٌ
تُطِلُّ عَلَى وَجْهِ الدُّهُورِ فَلَا كِبْرُ
سَأَبْقَى أَنَا المَأْخُوذَ فِيكِ، وَإِنَّنِي
خُلُودُ الهَوَى مَا دَامَ لِلْخَلْقِ مُسْتَقَرُّ
إِذَا مِتُّ، نَامَ الحَرْفُ عَنِّي بَرْهَةً
فَأَيْقَظَهُ مِنْ ذِكْرِكِ النَّضْرِ نَشْرُ
وَقَالَتْ لِيَ الأَرْوَاحُ: مَا الحُبُّ إِنَّمَا
سُلَافُ وُجُودٍ فِي فُؤَادِكَ يَتْفَوْرُ
فَإِنْ سُئِلُوا عَنِّي غَدًا فِي رِوَايَةٍ
فَلْيَقُولُنَ: ذَاكَ الَّذِي صَاغَهُ النَّثْرُ
وَهَا أَنَا أَخْتِمُ بِالشُّهُودِ قَصِيدَتِي
فَأَنْتِ المَدَى، وَإِلَيْكِ يَنْتَهِي القَصْرُ
سَلَامٌ عَلَى مَنْ كَانَ لِلْحُسْنِ قِبْلَةً
يُطَوِّقُهُ العُمْرُ المُعَلَّقُ والمَهْرُ
عَلَى سَارَةَ البَاقِيَةِ الحُسْنِ خَالِدَةً
تُغَنِّي بِهَا الأَزْمَانُ مَا زَانَهَا الظُّهْرُ
سَأَبْقَى، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، مُتَيَّمًا
بِيَوْمٍ بَدَا فِيهِ المُنَى حَوْلَهَا خُبْرُ
إِذَا ذُكِرَتْ صَارَتْ مَلَامِحُ رُوحِنَا
كَأَنَّ بِهَا مِنْ أَنْفَاسِهَا العُمْرُ وَالنَّضْرُ
وَهَذِي قَصِيدِي، مَا دَنَا الحُسْنُ مِثْلَهَا
تُعَلَّقُ فِي التَّارِيخِ إِنْ خَطَّهَا الفَخْرُ