بَحْرُ الهوى يا رَبابُ اليومَ عطشانُ
لَعلَّهُ يا سِقاءَ الرُّوحِ وَلْهانُ
يُعانِقُ الموجُ أجفانًا فيَسلِبُها
طَرْفًا ويَتركُها والدَّمعُ هَتّانُ
حتّى تَقَرَّحَ جَفْني من تتابُعِهِ
فأُغمِضُ الجَفنَ والإحساسُ يَقظانُ
ضُمّيهِ لا يَغرقُ البحرُ الشَّريدُ فمَن
كالحُبِّ يُنْجي الفتى والماءُ طوفانُ
أو فاتْرُكيهِ على جُرْفِ الشَّتاتِ يرى
لَمْعًا فيَحْسِبُ أنّ السّهلَ رَيّانُ
مُشَرَّدٌ عن أمانيهِ الّتي سُلِبَتْ
كأنّهُ راهبٌ والقلبُ نَعْسانُ
يَظَلُّ يَضربُ في أقصى البلادِ وما
لِلضَّربِ طَعمٌ ولا للسَّعيِ أثمانُ
حتّى يَحُطَّ رِحالَ القلبِ في بلدٍ
أضحى يُقامُ به للعدلِ ميزانُ
فيهِ ظِلالُ الرُّؤى كالشّمسِ باسطةٌ
نورًا وفي ظِلِّهِ للمجدِ عُنوانُ
ألوذُ بالشعرِ كيما أنْ يُحَرِّرَني
من عَتمةِ الرُّوحِ فالأرواحُ أكوانُ
فيهِ تَرَعْرعَ شِعري واستوى عَلَمًا
في ذُروةٍ بَيْدَ أنّ الشِّعرَ فتّانُ
قد صار لي وطنٌ ثانٍ ألوذُ بهِ
تَشُدُّني بهما والمجدِ أشطانُ
أنا المحِبُّ وهذي الأرضُ تحضُنُني
كزهرةٍ ضَمّها غُصنٌ وعِيدانُ
الحُبُّ وجهانِ وجهٌ في ملامحِهِ
سنابلُ القمحِ أشكالٌ وألوانُ
والآخرُ البحرُ والشُّطآنُ تحضُنُهُ
والنَّخلُ فوقَ كثيبِ الرملِ تِيجانُ
أنا ابنُ نيلي له في الشَّرقِ أُغنيةٌ
وعاشقٌ بالخليجِ الحُرِّ هَيْمانُ
لي كلَّ يومٍ مواقيتٌ أواعدُها
وصُحبةٌ في رُبوعِ المجدِ أعوانُ
واخترتُ واسطةَ العِقدِ المهيبةَ مَن
أمسى لها في خِضَمِّ القلبِ رُبّانُ
يَحُطُّ في أرضِها رَحْلُ الهوى ولها
في كلِّ رُكنٍ بعمقِ الرُّوحِ أركانُ
إنّ الجبالَ التي فيها تُشابهُني
وقلّما يُشْبِهُ الأطوادَ إنسانُ
قد هِبْتُ مَنظرَها لكنّها وَضَعَتْ
لي مِنكبَيْها فطارَ النَّجمُ والشّانُ
واستَقْبَلَتْني مساءَ الشّكِّ مُرتجِفًا
حتّى احتوانيْ صباحٌ فيهِ تِبيانُ
فرُحتُ أحضُنُها والدِّفءُ يغمرُني
وتشتهينيَ بعدَ الحِضنِ أحضانُ
والحُسنُ في سفحِها ينداحُ مُؤتلِقًا
كما تفيضُ على الألواحِ ألوانُ
كم بِتُّ أرقُبُ في الظَّلماءِ كوكبَها
والبدرُ يرسمُهُ في الأُفقِ فَنّانُ
وأَجْمَعُ الحُلمَ غَضًّا كي أُقَبِّلَهُ
فيستوي يافعًا والغُصنُ ريّانُ
كم ذا أُغازلُ طيفَ النّورِ أرشُفُهُ
حتّى روى مطمَحي روحٌ وريحانُ
أسيرُ فوقَ ترابِ العُرْبِ يفتِنُنُي
عِشْقًا فألْثمُهُ والعِشقُ سُلطانُ
في كلّ عِرقٍ أنا نبضٌ أُضَخُّ ولي
في كلِّ قُطرٍ من الأقطارِ بُنيانُ
يا مصرُ يا دُرَّةَ الآفاقِ يا أملًا
أرنو إليهِ ويروي القلبَ تَحْنانُ
أُعالجُ البُعدَ عن نيلي فيسكُبُني
في غُربتي ماؤهُ والشَّوقُ هتّانُ
أغايةُ الحُبِّ يا مصرُ الحبيبةُ أنْ
تُودِّعِينا وفي الأعماقِ أشجانُ
كم ذاهلٍ عن هواكِ الجَمِّ مُحتَضِنٍ
نُعماكِ دهرًا وحظُّ الصَّبِّ هِجرانُ
إنّي هنا يا مُنى الأشواقِ في وطنٍ
ثانٍ وكلُّ بلادِ العُربِ أوطانُ
يضُمُّني كنَباتٍ ضَمَّ بُرعُمَهُ
ومُقلةٍ حولَها رِمشٌ وأجفانُ
هذي عروبتُنا يا مصرُ تَجمعُنا
كَدَوْحةٍ فوقَها زهرٌ وأغصانُ
ونحنُ كالطّيرِ لا نَبقى على فَنَنٍ
إلا تراءتْ لنا في الأيكِ أفنانُ
كما تراءَتْ لميؤوسٍ مطامحُهُ
والليلُ أقوى وخَيْطُ الفَجْرِ يَقْظانُ
وماخرٍ في بحارِ الشَّكِّ مَركَبُهُ
بانتْ لهُ بعدَ خوضِ الشكِّ شُطآنُ
ذا شاطئٌ في بلادِ النِّيلِ أترُكُهُ
لِشاطئٍ ما لهُ في الشّرْقِ أقرانُ
لا عن هوىً قد تَرَكْتُ النّيلَ أو قَلَقٍ
فكُلُّ أَمْرٍ له في الحُكمِ ميزانُ
والأمُّ ليسَتْ كمِثلِ الزّوجةِ، امْتَلَكَتْ
قلبي، ولكنْ كِلا الحُبَّيْنِ فَتّانُ
يا مِصرُ هذي إماراتي أُعانِقُها
في كلِّ فجرٍ وما للحِضنِ أثمانُ
ما نحنُ غيرُ بني الأمجادِ يكْلَؤنا
حُبٌّ ويَجْمعُنا حَرفٌ وإيمانُ
سعى الأنامُ لمالٍ أو لمنفعةٍ
ونحنُ للعزِّ والعلياءِ رُكبانُ