الدَّهْرُ شابَ وقد أبلى العَباءاتِ
وأسْرَفَ الشَّرُّ في حَبْسِ الفَراشاتِ
وأوثَقَ الرّوحَ في أغْلالِ أُمْنِيَةٍ
وأطْفَأَ النَّجْمَ في لَيْلِ الشِّكاياتِ
وتاهَ في خُدْعَةِ الأيّامِ قافِلَةٌ
من الخُطا قد تَرَدَّتْ في المَسافاتِ
وناءَ بالخَيْرِ آمالٌ وأفْئدَةٌ
وأُتْعِبَ القَلْبُ من حَشْدِ البَلِيّاتِ
وأمُّنا الأرضُ قد قَضَّتْ مَضاجِعَها
أصداءُ غُرْبَتِها، قاعُ العَداواتِ
وأبْحَرَتْ سُفُنُ الأشْتاتِ عن وَطَنٍ
هِلالُه غارِقٌ في بحرِ خَيْباتِ
ونَجْمُهُ خافِتٌ حُلْمٌ بلا وَطَنٍ
كالسِّرِّ باتَ على جَرْفِ الإشاعاتِ
وخَلّفَ المَجْدَ في عَصْرٍ حِكايتُنا
كانت تُقَلِّدُها كلُّ الحِكاياتِ
وتَرتوي في مَدى أندائِنا أُمَمٌ
مَحِلُّها الجَدْبُ يَرنو للغَماماتِ
كَطائِرٍ ضَلَّ ألقى عنه جِلْدَتَهُ
وأسْكَنَ الرّوحَ في جَوْفِ الفَضاءاتِ
يا حارسَ البَحْرِ، هل ضَلَّت مَراكبُنا
وأغَرْقَ الشَّطَّ أمواجُ الخِلافاتِ
هل هذه الصُّوَرُ الشَّوْهاءُ صورَتُنا
كأنّها شَبَحٌ في صورَةِ الذّاتِ
وهذه الأُطُرُ العَوجاءُ تَجْمَعُنا
فما اجتِماعٌ أتى من دونِ نِيّاتِ؟
آهٍ فما صَفْحَةُ التّاريخِ عائدَةٌ
وما العُلا كالعَواري المُسْتَرَدّاتِ
أَبْحُت في أُمّتي حَرفي وقافيتي
وأرّقَ الهَمُّ رغمَ الحُلْمِ أبياتي
والرّيحُ تَنْحِتُ وَجْهَ الوَقْتِ عابِسَةً
كأنّما الزّمنُ المَصلوبُ مِرآتي
لكنَّ في القَلْبِ حُلْمٌ لا يُخَيِّبُني
وفي رؤاه مَواويلُ اللِّقاءاتِ
أسْتَنْهِضُ الفَجْرَ من أعْماقِ دَهْشَتِهِ
كأنّما طارِقُ الإشراقِ ناياتي
ما زالَ في الأُفْقِ ضَوْءٌ يُسْتَظَلُّ بهِ
رَجْعُ الأماني وأطْيافُ المُروءاتِ
يا نازفَ الحُلْمِ، لا تَخشَ السُرَى أبدًا
فاللّيلُ مِرآةُ فَجْرٍ صُبْحُهُ آتِ
فانْهضْ، ولا تَدَعِ الأوهامَ تَخْدَعُنا
وتَبْذُرُ الشُّؤمَ في ساحِ البِداياتِ
وبُثَّ في الكونِ إيمانًا وتَضْحِيَةً
فسوفَ يُثْمِرُ تِبْيانًا وآياتِ
وابعثْ بِروحِكَ في الأفلاكِ نافِذَةً
تُضيءُ ما قد مَحاهُ الصَّمْتُ في الذّاتِ
واركَبْ بِساطَ الرّؤى في الرّوحِ شاهِقَةً
كأنّه وَمْضُ بَرْقٍ من مَسَرّاتِ
مُدَّ النّجومَ على صدرِ السّماءِ فما
تلكَ الغُيومُ سوى غَيْثٍ لِميقاتِ
وارسُمْ على شَفَةِ الأيّامِ أُمْنِيَةً
وخُطَّ في الأُفْقِ ألْوانًا وهالاتِ
هذا المَدى رغمَ طولِ التّيه مُنْتَظِرٌ
شُعاعَكَ الحُرَّ يَجتاحُ الثَّنِيّاتِ
وما المَخاوفُ إلّا الظّنُّ نَحْسَبُهُ
شَيْئًا فيُصْبِحُ وَهْمًا من خُرافاتِ
وما الحياةُ سوى نهرٍ نُطارِدُهُ
حتّى يُبَلِّغَنا أحلى النِّهاياتِ