كانَ ظِلٌّ في حَيّنا مستطيلُ
وعلى الأفْقِ شُعْلَةٌ لا تحولُ
ونجومٌ في كلِّ نَحْوٍ وشَمْسٌ
في مَدارٍ لا يعتريه أفولُ
كان ناسٌ وصِبيةٌ ومُروجٌ
وفراشاتٌ في المدى وحقولُ
كان صُبحٌ يُهَدْهِدُ القَمْحَ يَشدو
حولَ حَقلِ الجَمالِ ذاك النّخيلُ
يمزُجُ اللَّونَ مَشْرِقٌ يَتَجَلّى
فيه سِرُّ العَطاءِ والمأمولُ
كفُّ طِفلٍ تُلامِسُ النّجمَ حتى
يَغرَقَ النّجمُ في ابتهاجٍ يسيلُ
وفؤادٌ مُحَلِّقٌ كالثُّرَيّا
يَغزِلُ الحلمَ والنّسيمُ العليلُ
وقناديلُ فرحةٍ أُشْعِلَت قد
راقَصَتْها ريحُ المنى والشَّمولُ
كان جارٌ يؤانِسُ الجارَ حُبًّا
وضميرٌ كما الزّهورِ نبيلُ
وعلى لَحْنِ صوتِنا أنغامٌ
مثلُ شَلّالٍ والأغاني هُطولُ
إيهِ يا حيَّنا الحبيبَ هَرِمْنا
كيفَ نحيا وعَصْفُنا مأكولُ
كنتَ حَيًّا وفيكَ نَبْضُ الأماني
مُستَفيضٌ تيّارُه موصولُ
صِرْتَ بالحربِ كَوْمَةً من ترابٍ
وانْمحى الظِّلُّ كم ظِلالٍ تزولُ
في كلِّ رُكْنٍ طَعْنَةٌ من عَذابٍ
في كلِّ وجهٍ نكبَةٌ ونُحولُ
كلُّ بابٍ يُحَدِّثُ الطّيرَ سِرًّا
ارحلي الآنَ، في البقاءِ العويلُ
ويدُ الخوفِ حُرٌّة لا تُبالي
ودمٌ مُرٌّ طعمُه ووَبيلُ
آهِ يا مَرْتَعَ الجَمالِ المصَفّى
رُحْتَ لم يَبْقَ مِنكَ إلا الطُّلولُ
آهِ راحَتْ ملامِحُ العُمْرِ وَلَّتْ
صورَةُ النَّفْسِ حينَ جَدَّ الرّحيلُ
كلُّ شيءٍ أقوى وصارَ هَباءً
كلُّ شيءٍ إلّا الخرابُ المحيلُ
وحَمَلْنا الحنينَ ثُمَّ رَحَلْنا
يَحْرِقُ الوِجدانَ الشّتاتُ الثّقيلُ
هل تعودُ الخُطا لِحَيِّ التّلاقي
أم يسوقُ الخُطا الفِراقُ الطّويلُ
هل نرى الأفقَ مَرَّةً مُستضيئًا
بالضُّحى أم ذاك الرَّجا مُستحيلُ
هل نرى الصّخْرَ يَفْجُرُ الماءَ منه
حلمُنا أم ضَلَّ عنه السّبيلُ
هل تُراه يعاقِبُ الشرَّ يومًا
باقتِصاصٍ منه الحسابُ الثّقيلُ
هل سَنَبْني مدائنَ النّورِ حَتّى
يَتَمَطّى في الحيِّ ظِلٌّ ظَليلُ
وتَرى كلَّ قَريَةٍ في مَداه
في رَخاءٍ ونِعمَةٍ لا تَزولُ
وإذا رُمتَ للسُّرورِ دَليلًا
شُعْلَةُ الحبِّ في العُيونِ دَليلُ
رُدَّني يا صُبْحُ للحَيِّ أحيا
رُدَّ قلبي فقد طَواه الذُّبولُ
ليس إلا رَبُّ العِبادِ قَديرٌ
يَبْعَثُ النّورَ في المدى ويُنيلُ
تَزْدَهي البِلادُ منه ويزكو
مَرْتَعُ الرّوحِ والحيا السَّلْسبيلُ
هَبْ لِقَوْمي رَبَّ العِبادِ خَلاصًا
أنتَ بالخَيْرِ يا كَريمُ كَفيلُ