يا مرجةَ الذكرى عشقت زهورَها
فنظمت فيها القافيات سواحرا
أشرقنَ في ليل الشجون كواكبًا
وطلعنَ في قفر الحياة أزاهرا
وبعثنَ سحرًا لو أصابكِ نفحُهُ
لعرفتِ معنى من حياتك ساحرا
وخطرنَ في مرج القلوب سوافرًا
فأثرنَ بركانًا كصدرك ثائرا
وقبسنَ من حَلَك الظلام جديلةً
أسبَلْنها فوق النهود ضفائرا
وبسمنَ في عمري الكئيب فمزّقتْ
ضحكاتهنَّ من الظلام ستائرا
وأرينَني الفجر المطلّ على المدى
ألقًا تماوج بالمفاتن زاخرا
فذُهلت للشفق المضمّخ أفقُه
ألبسنَه فيما لبسن أساورا
أنا قد كسبت وفوق ما وهب الندى
أن كنتُ من وحي المرابع شاعرا
قالوا النوى فحبستُ آهة أضلعي
ثم النوى فسكبتهنَّ محاجرا
ووقفت أرنو للديار شوامخًا
ووقفتُ أرنو للربوع زواهرا
وأقول للقلب المَشُوق وقد هفا
طيَّ الجوانح يستثير مشاعرا
أتطيق صبرًا أن يفارقك الهوى
وتروح عن هذي الديار مسافرا؟
هاتيك دارك ما إخالك ناسيًا
تلك العهود وقد خطرنَ عوابرا
تتجاوب الأصداء في جنباتها
نغمًا فتعزفه الحياة قياثرا
في كل شبرٍ قد تركتَ بقيّةً
وبكل منعرجٍ خيالاً عاطرا
وبكل زاويةٍ دلفتَ لغايةٍ
كانت بنفسك تستفزّ بوادرا
وبظل صفصافٍ وقفت مع الضحى
كي تتقي تحت الظلال هواجرا
وهنا جلستَ مع المدرس منصتًا
في الصفّ تمنحه العقول خواطرا
تتبادل الآراء أوسعَ فكرةٍ
وتغوص في الفكر المفتّق غائرا
الصفُّ أوسع ما وجدت منصّةً
تبدي بما أخفى الخنوع سرائرا
الصفُّ منبرُك الطليق إذا دهت
منك الخطوب وما وجدت منابرا
وهنا جلستَ وقد حفلتَ بإخوةٍ
متعانقين على الإخاء ضمائرا
يُبدون من معنى الوفاء مشاعرًا
غُرّاً ومن معنى السرور بشائرا
يتلقّفونك إن نأيت بمهجةٍ
حرّى وشوقٍ كاللهيب إذا سرى
وهنا جلست مع الزهور توشّحتْ
كندى الربيع لآلئًا وجواهرا
من كل عابقةِ الشذا فواحةٍ
أبدًا تظل مع الحياة عواطرا
أسلمتَ قلبك للإسار سويعةً
ورميت نفسك في الجحيم مخاطرا
أنت الأسير وقد عجبت لشاعرٍ
يهوى الإسار له ويهوى الآسرا
يا دارُ يا لمحَ الكواكب في دجًى
وخيوطَ أضواءٍ تنير دياجرا
يا دفقةَ الفكر المتوّج بالمنى
ومسيل غدرانٍ تفيض زواخرا
يا مجمعَ النفر الشتيت أحبةً
مهجًا كطيب النافحات حرائرا
يا موئلَ الذكرى إذا احتدم النوى
ودعا الحنين لأن يثير خواطرا
وتزاحمت أطياف ذكرك نائيًا
فتركنني ملء الصبابة ساهرا
قسمًا إليك فلن أبدِّل صبوتي
متناسيًا عهدًا بربعك زاهرا
يا دارُ يا وطنًا سكنتُ ربوعه
زمنًا فأودعت الربوع مآثرا
أيامَ قد صدحت قياثر صبوتي
نغمًا فصفّقتِ الشجون مزاهرا
من كل مرتشفٍ نظمت قصيدةً
ولكل طمّاحٍ نظمت مشاعرا
أيامَ قد شهدت إليَّ فنونها
فملأت جدرانًا بها ودفاترا
اسمي مع الطلاب أين تفرّقوا
يتذكّرون به صديقًا آخرا
فلئن نقشتُ على الدفاتر إسمكم
فلقد نقشتم في الفؤاد مآثرا
اليومَ أنت هنا تودّع ماضيًا
وغدًا تودع من زمانك حاضرا
ستشدّ أزرك للحياة مشمرًا
لتكون للنفر الطموح مؤازرا
آمنت فيك وقد وهبت لأمةٍ
نَفْسًا وقفت لها العزيمة ناذرا
آمنت فيك مناضلاً بعقيدةٍ
أسمى كما آمنت فيك مجاهرا
آمنت بالفكر الطليق إذا دعا
يومًا لأمته وشدَّ أواصرا
آمنت فيك مبدِّلاً لا ترتضي
ركدَ العقول لنا فكنت الثائرا
أنت المعلم شعلةٌ قدسيّةٌ
قد نوّرت للعالمين دياجرا
لو أنصفوك لما وجدتك مثقلاً
تحيا فتخبط في دجاك مقادرا
ولما استوى بك آخرٌ في رأيهم
كي يقرنوك بمن سواك نظائرا
ما زلتَ منتزعَ الحقوق ولو وعوا
ما غادروك على المظالم صابرا
لولاك ما درجوا بسُلَّمِ مجدهم
ولما غدوا فيما رأيتَ أكابرا