تخطَّ إلى المحتوى

يمضي إليك الركب في درب السراب

الكامل

٤٠ بيت

المتفرقات

يمَضي إليكِ الرّكبُ في دَربِ السّرابْ

يا مَن رَحلتِ مِن الغِيابِ إلى الغِيابْ

يا بَسمةَ الإشراقِ في ثَغر المَدى

يا مَسحَةَ الأحزانِ في وَجهِ السّحابْ

إنّي هناكَ وكل أشواقي معي

وَجهي وإحسَاسي المُلبَّد بالعَذابْ

أرجو مِن الصّبرِ المعتّق في دَمي

أن يستحيل الشّوقُ في قلبي صَوابْ

ألا أموتَ مِن الأسى يا قِصّتي

يا آخرَ الأحلامِ في عُمرِ الشَبابْ

أنا عائدٌ حُمِّلتُ أشواقي مَعي

وأتيتُ مِن أقصى المَدينةِ بالجَوابْ

أهفو إلى تلكَ الشّوارع عاشِقاً

كلَ النّوافذِ والسّتائرِ والحِجابْ

أرنُو إلى كل المَطارحِ حيثما

كانت عُيونكِ شُرفَتي ويَداكِ بَابْ

حيثُ اغترفتُ مِن الهوى رَقرَاقهُ

حيثُ احترقتُ ببَسمةٍ والقلبُ ذابْ

حيثُ الأماني كلُّها مَكنُونَةٌ

وأنا أعيشُ على المُنى والارتقابْ

يا سَوسني! يا عِطرَ أيامي التي

راحتْ وراحَ جميلها في الاغترابْ

أين السّعادةُ؟ لم أعد أحيا بها!

ما للجَوى في مُقلتي مثل الضّبابْ

ما لي أمُرُّ على الأماكنِ لا أرى

بين الوجوهِ الحَالماتِ زُهورَ آبْ؟

ما للمساكِنِ غيّرتْ أثوابَها

وتنكّرتْ لمَن ارتوى فيها الشَّرابْ؟!

مَن كان يَرسمُها ويَرفعُ شأنها

بروائعِ الأشعارِ في صَدرِ الكِتابْ؟!

هذي المدينة قِصةٌ مَجنُونةٌ

كانت تَعِزُّ على العَواصِم يا صِحَابْ

فيها رَبَتْ أحلامُنا، وتفتّحتْ

أزهارُنا، وتطَاولَت فيها الرّقابْ

ومَضَت على أحيائها ضَحكاتُنا

كالطّير تَسبحُ في بَديعِ الانسيَابْ

كُنا هنا! كانت لنا أصداؤنا

ماذا جَرى حتى لقيناها خَرَابْ؟!

وإذا بنا في غَفلةٍ مِن دَهرِنا

كالسّامريّ نصيحُ لا للاقترابْ!

كُنا هنا! تلك البُيوتُ شَفيعةٌ

هذا الرّكامُ شهيدنا يومَ الحِسابْ!

إنَّا ملأنا صَحوَها ورُقادَها

بضجِيجِنا، بدُموعِنا يوم الذّهابْ

كانت لنا! والآن تُنكرُ وِدَّنا

فيها وُجوهٌ أَوغَلتْ في الارتيابْ

فيها نُفوسٌ مِن رَمادِ لهيبها

في خِسّةٍ تلهو بعِيدانِ الثّقابْ!

فيها الثَّقافةُ كلمةٌ مَصلُوبةٌ

والحُب والأحلام فيها انتِسابْ!

وأمرُّ والأحزان تُثقلُ كاهِلي

أرنو لأحلامي القَتيلةِ في عَذابْ!

هل يا تُرى ألقى الذين عَرفتهم

إنّهم قد أُطفئوا تحتَ التُّرابْ؟!

هل ما تزال حدِيقَتي مَعروشَةً

أو إنَّ أزهاري وأشجَاري يَبابْ؟!

هل كل فاتنةٍ شُغفتُ بحُسنِها

تدري بأنَّ لها بدُولابي خِطَابْ؟!

هل أستعيدُ صَدارتي في قلبِ مَن

كانت تُغنّي حينَ تستضحِي الثّيابْ؟!

وتحُطُ راحلتي ببَابكِ بعدما

عَدَّتْ على كل المَشَاعِرِ والقِبَابْ

الشّوقُ يجرِفُني إليكِ كأنما

ما مرَّ مِن أحلامنا إلا عِتَابْ

وكأنما وقفَ الزمانُ بنَاظري

وأنا أراكِ كما عَهِدتُك بالحِجَابْ

ويداكِ تنتَفضَانِ مِن خَوفٍ إذا

أومأتِ لي كيما أحدّقَ بالخِضَابْ

وكأنني في صَمتِ دَاركِ ذَاهلٌ

أينَ ارتحلتِ، وهل رَحيلك لي عِقَابْ؟!

لا يا صَديقي لستُ أنسَاها وهل

ينسَى المحبُ حبيبهُ مهما أنابْ؟!

مهما تباعدَتِ المَسافةُ والظروفُ

تعاندت، إنَّ المُحبَ إلى إيابْ

مهما سقَانا الهَجرُ كاسَاتِ الرَّدى

سنَعُودُ مِن عُقرِ السّويعاتِ الصِّعابْ

سنَعُودُ نَستَنُّ الهوى مهما جَرى

لا خوفَ مِن عُذّالنا، مَن عَابَ عابْ!

وأعودُ حتى لو تقاطعَ حظُّنا

وهي انطفَتْ، وأنا يؤجِّجُني الغِيابْ!