سَرَى في الكنانة مَسْرَى النَّغَمْ
فأصغَتْ له لَبِنَاتُ الهَرَمْ
وهزَّ أبا الهول في خِدْرِهِ
فأرهَفَ أُذْنَيْه، ثم ابَتَسَمْ
ودَبَّ إلى أعْظُم الشُّهَداءِ
فكادَتْ تَهَشُّ بوادي العَدَمْ
ورفَّت تسائلُ أَرواحُهم:
أحانَ الجلاءُ؟ فقلنا: نَعَمْ!
لهُ اللّهُ من موثقٍ مبرمٍ
على صَفَحَاتِ القلوب ارتَسَمْ!
أعادَ حقوق البلادِ وردًّ
لها من كرامتها ما انْثَلَمْ
مُنىً أرَّقَتْ مصرَ سبعين عامًا
ومَنْ رام درْكَ المنى لم يَنَمْ
حصدْنَا سنابلَها من حقولٍ
رَوينَ بدمعٍ صَبيب ودَمْ
ورُبَّ شبابٍ أغرِّ الجبينِ
كبَدر السماءِ إذا البدرُ تَمْ
مضى للكفاحِ، كليل السلاحِ
بغيرِ عزيمِته ما التَأمْ
رأى المَوْتَ يفْغَرُ فاهُ لهُ
لم يتقَهْقَرْ، ولكن هَجَمْ
فخرَّ شهيدَ الحمى هاتفًا
لمصرَ بقلبٍ جريحٍ وفَمْ
فهذا الذي خَطَّ سِفْرَ الجلاءِ
وبالدَّم في صَكِّهِ قَد خَتَمْ
مضى الاحتلالُ، وما الاحتلالُ
سوى وصمةِ العار بين الأمَمْ!
بقيةُ إرثِ قرون خلَتْ
على الظُّلْمِ قد طُبَعتْ والظُّلَمْ
حملناهُ جرحًا بكلِّ فؤادٍ
وهمًّا على كلِّ صدر جَثَمْ
وما كان في العين إلا القَذَى
وما كان في الجسم إلا السَّقَمْ
إذا ما استكانت له أُمَّةٌ
فما أهلُها بشَرٌ؛ بل نَعَمْ
ومَنْ قَبِلَ الظُّلْمَ فهْوَ الملومُ
وليس المَلامُ على من ظَلَمْ
ولن يَحملَ القيدَ حرٌّ أبيٌّ
ولن يلبسَ الطَّوقَ شَعبٌ أشَم
له في الكرامة ماضٍ مجيدٌ
وسابقةٌ في العلا والكَرَمْ
وما مصرُ إلا مهادُ العلوم
ورمزُ الحضارةِ منذُ القِدَمْ
ولو أقسمَتْ أنها هيَ أمُّ ال
وجودِ لما حِنثَتْ في القَسَمْ!
دَعُونَا نحسُّ جمالَ البلادِ
وما استُودِعَتْ من جزيلِ النِّعَمْ
فبئسَ النعيمُ نعيمُ الجِنانِ
إذا ضمَّهُ وَطَنٌ مُهْتَضَمْ!
وهل للبلاد المُبَاحَةِ ماءٌ
به يُرْتَوَي أو هواءٌ يُشَم؟
وما أقبَحَ الأرضَ أرضَ الحمَى
إذا داسها غاصبٌ بالقَدَمْ!
وما أقَبحَ الجوَّ إن شَمَّ منه
عدوُّ البلاد رقيقَ النَّسَمْ!
ولن تسلمَ الأرضُ حتى تصير
جحيمًا على الغاصبين اضْطَرَمْ
وبحصِبَهُمْ بحرُها بالشُّواظِ
ويقذِفَهُمْ جوُّها بالحُمَمْ
أُساةُ البلادِ قد استأصَلُوا
بِمبضِعِهم داءَها؛ فانحسَمْ
فما عاد ينْغرُ جرحُ البلادِ
ولا يشتكي جسمُها من أَلَمْ
وليس لمعتمرٍ معقِلٌ
بمصرَ إذا عرشُ مصرَ انهدَمْ
همو حطَّموا صنَمًا قائمًا
وثنَّوْا بعُبَّاد هذا الصَّنَمْ
هَوَى المَلِكُ الضخمُ عن عرشه
فما ذلك الشَّحْمُ إِلا وَرَمْ
ولم تبقَ منه سوى ذكرياتٍ
تلوحُ كطَيْف خيالٍ أَلَمّ
لقد مكَّنَ الله للظالمي
ن حينًا من الدهر ثم انتَقَمْ
أَلا إن للمستبدِّين يومًا
يَعضُّون فيه بنَانَ الندَمْ!
هو الجيش طهَّرَ أرضَ البلادِ
وجمَّعَ شملَ الحمى فانتظمْ
وصيَّرَ أقواتَها قسمةً
وما كان أعدَ لَهُ إذ قَسَمْ:
فما عاد يشكو الفقيرُ الطَّوَى
ولا عاد يشكو الغنيُّ البَشَمْ!
بني مصرَ، هذا زمانُ القوىِّ
فكونوا السباعَ، ومصرُ الأَجَمْ
إذا عاثَ في أرضكم عائِثٌ
فقولوا له: تلك أرضُ الحَرَمْ!
يقولون: عهدُ الضياءٍ، وكم من
ظلامٍ بعَهْدِ الضياء ادْلَهَمّ!
وأقسمُ، لن يتساوى الأنام
فما هُم سوى سادةٍ أو خَدَمْ
وما برحَ الناسُ شَطرَيْن: منهم
ذئابٌ جياعٌ، ومنهم غَنَمْ
فلا تأمَنوا جانب الأقوياءِ
فكم وضَعُوا سُمَّهْم في الدَّسَمْ!
وكم أخْلَفَ الأقوياء لنا مِنْ
وعُودٍ، وكم خَفَرُوا من ذِمَمْ!
وكم أبهَمُوا عند وضع النُّصوصِ
فكانَ لصالحهم ما انبَهَمْ
كذلك شَرْعُ القويِّ إذا ما
تَقَاضَى: هو الخَصْم، وهْوَ الحَكَمْ
إذا شاء، أعْطَى الحقوقَ احتسابًا
وإن شاءَ من كل حقٍّ حرَمْ
وكم غَفَرَ الناسُ ذنبَ القويِّ
وكم ألصَقُوا بالضعيف التُّهَمْ
بني مصرَ، هذا زمانُ المُجِدِّ
فأينَ الجُهُودُ وأينَ الهِمَمْ؟
وأين الذي يقطعُ الأرض وثْبًا
ولا ينثني عزمُهُ إن عَزَمْ؟
ألا، فارفعوا صوْتَ مصرَ إلى أنْ
يرنَّ صداهُ بأذْن الأصَم
وخَلُّوا السُّفوحَ لكل ضعيفٍ
وحُطُّوا الرِّحَالَ بأعلى القِمَمْ
أقيموا الصِّناعاتِ في أرضِكُمْ
وسَوُّوا الهِضَابَ، وروَّوا الأكَمْ
ولا تُسرفُوا في الأماني. يَموتُ
مِنَ الجوع مَنْ بالأماني ائْتَدَم!
أرى الأرضَ جاشَتْ بسُكانها
فَلا تقفُوا خَشْيَةَ المُزْدَحَمْ
فإنَّ الشُجاعَ شجاع السّلام
إذا صادَفَ العَقَباتِ اقتَحَمْ
وإنَّ الحياةَ مجالُ كفاحٍ
فويلٌ لمن في المجال انهَزَمْ
بني العُرْبِ، سُودُوا كأسلافكم
وخَلُّوا الفَخَارَ ببالي الرِّمَمْ
فليس الذي هَدَّ إرثَ الجُدودِ
كَمَنْ شَادَ ما أسَّسُوا أو دَعَمْ
وبالوَحْدةِ الخِصامَ على التُّرَّهَاتِ
فما ساد شعبٌ عليها اختَصَمْ
وما فكَّكَ الشَّعبَ مثلُ النزاعِ
إذا هُوَ بينَ بنيه احتَدَمْ
سحَبْنَا ذيولَ الخلافِ قديمًا:
فذلك سَبَّ، وهذا شَتَمْ
فلم نكتسبْ من وراءِ الخلافِ
سوى أنَّ عِقْدَ البلادِ انفصَمْ
بَني العُرْب، هذي نجومُ السماءِ
فأينَ حفرْتُمْ مكانَ العَلَمْ؟
عُيونُ الممالكِ قد أحدَقَتْ
بكم، والمُؤَرِّخُ سَلَّ القَلَمْ!