عَذَّبْتَ مُضناكَ إِذْ وَدَّعتَ، فاتَّئِدِ
وذابَ جِسمي نُحُولًا، وانفَرى كَبِدِي
وضَاقتِ الأَرضُ بي، فالأمسُ ذَكَّرَني
والحاضِرُ الصَّعبُ، هَلْ أَقوى لِعَيشِ غَدِ؟
أَضحَتْ بَساتِينُ أَيَّامي طُلولَ رَدىً
وكانَ غُصني - وإِنْ غابَ الغَمامُ - نَدِي
فَلمْ تُناوِشْهُ أَنسامُ الرَّبيعِ ضُحَىً
فَباتَ يَهذي كَئِيبًا غَيرَ ذي أَوَدِ
أَبي حَنانِيكَ! هَلْ حَقًّا رَحَلْتَ وَلنْ
نَراكَ ثانِيَةً يا رُوحُ للأَبَدِ؟
أَبي رَشادَكَ! هل تَدري مواجِعنَا
ومَنْ لقَلبٍ لَهَولِ البَينِ مُرتَعِدِ؟
ومَنْ لِعَينٍ إِذا قَلَّبْتُها لتَرى
وَجهَ الحَبيبِ ورُوحَ الرُّوحِ لَمْ تَجِدِ؟
قَد كُنتَ عاهَدتَ قَلبي أَنْ نَعودَ مَعًا
واليَومَ عُدتُ، وأَنتَ الآنَ لَمْ تَعُدِ
قَد أَظلَمَ الكَونُ في عَينَيَّ قَاطِبَةً
مُذْ قُلتَ: جاءَ رَسولُ المَوتِ يا وَلَدي!
فأَقفَرُ القَلبُ مِنْ أَدواحِهِ أَبَدًا
فَمَنْ سَيَسقي يَتيمَ الحَادِثاتِ، صَدِي؟
ومَنْ سَيَنهَضُ بيْ، والمَوتُ حَطَّمَني
ومَنْ لِكَفٍّ على كِتْفيكَ مُستَنِدِ؟
واللهِ، ما زِلتُ مَذهولًا بِغَيرِ هُدَىً
ولا أُصَدِّقُ نَأْيَ الرُّوحِ عَنْ بَلَدِ!
ولا إِخالُ، إِذا نادَيتُ: أَينَ أَبي؟
أَلَّا يَرُدُّ سُؤالَ الرُّوحِ مِنْ أَحَدِ!
مَضى حَبيبُ الهَوى، والنَّاسُ تَمدَحُهُ
والقَلبُ خالٍ مِنَ الأَحقادِ والحَسَدِ
ولَمْ يَكُنْ عابِسًا في شَرِّ نازِلَةٍ
ولا يُصَرِّحُ عَنْ هَمٍّ، ولا نَكَدِ
واسَى المُعَزُّونَ قَلبي بَعدَ فُرقَتِهِ
قالوا: سَتَنسى، وهَل أَنساكَ يا سَنَدي؟!
وهَلْ سأَطوي كِتابَ الحُبِّ مُنكَسِرًا
وهَلْ سأَسلُو هَوىً مِنْ سالِفِ الأَمَدِ؟
يا أَيُّها المَوتُ رِفقًا! إِنَّهُ أَمَلي
لا عَيشَ دُونَ أَحِبَّائي، فَخُذ بِيَدي
لا طَعمَ للعَيشِ، عَجِّلْ، لا أُريدُ سِوى
قَبْرٍ يُجاورُ قَبرَ الطَّائرِ الغَرِدِ
يا رَبِّ! فاغفِر لَهُ ما كانَ مِنْ زَلَلٍ
واغسِلْهُ في لَحدِهِ بالثَّلجِ والبَرَدِ
وادخِلْهُ جَنَّةَ خُلدٍ يا رحيمُ، لَقَد
مَضى بِقَلبٍ على التَّوحيدِ مُعتَمِدِ
عليكَ مِنِّي سَلامٌ، ما حَيِيتُ، كَذا
لَكَ التَّحايا بلا كَمٍّ، ولا عَدَدِ