ليلٌ بظلمته طغت أتراحي
حتى دجى ودنا من الإصباحِ
في حينها صلَّيتُ فجري خاشعًا
لله، متَّشحًا بثوب جراحي!
وبكيتُ، لم أنطق بآهات الأسى
فلفَرْط حزني لم أفُهْ بنواح
والحزنُ أكملُ ما يكون مكتَّمًا
في القلب مخزونًا بلا إفصاح
وتعبت من همٍّ ألمَّ بأضلعي
فتهشَّمَتْ لكنْ بغير سلاح
قد أرَّقَ الجفنَ البلاءُ فلم يذق
في ليله طعم الكرى برواح
مزَّقتُ قلبي في يديَّ ولم يكن
ليصدَّني بعبيره الفوَّاح
فالنفسُ قد مارتْ كقِدْرٍ فائرٍ
والنار قد عضّت يدَ المصباح
والطبُّ أفضل ما يكون دواؤه
بيد الطبيب الماهر الجرّاح
في ذلك الوقت الكئيب تجسَّدتْ
لي صورةٌ في العين كالأشباح
ثم اعتلى شبحٌ، تبدّى في الدجى
فشهدته عَلَمًا علا بِبِطاح
أستاذُ يا «دهشانُ» ما لكَ واجمًا
ترنو إليَّ بمقلتَيْ سفّاح؟!
فأجاب لست أريد شعرًا جامدًا
لا حسَّ فيه ولم يُشَبْ بمزاح
فأجبته ليست جميع قصائدي
شعرًا بليدًا لم يبؤ بنجاح
وكمال حُسْنِ القول صعبٌ نَيْلُهُ
والخُسْر يُصْحَب دائمًا بَفَلاح
فأجاب اِصبِرْ، لا تكن متعجّلاً
للنشر تظفرْ عندها بصلاح
فأجبت كيف ونشرُها هو غايتي؟
كيما تهيمَ بعالم الأرواح
وتُذيب قلبي في قلوب من اعتنوا
بقراءة الأشعار كلَّ صباح
وتجول في عقل المفكِّر ثرَّةً
فتُوصِّل الأبوابَ بالمفتاح!»
فتفتَّقتْ شفتاه بالقول الذي
ختم الحديث، أزاله كالماحي
«احفظْ نضارَ الشعر في نبع العلا
حتى تفيضَ على الورى بصُداح»