هربتْ...هروبَ العائذين ببابهِ
وتشفّعتْ بدعائها لجنابهِ
فهو الذي أعطاه حسنا فاتنا
وهو الذي أغرى الهوى بشبابهِ
ولمن له الودُّ المضمّخُ بالندى
عند الشهود وإنْ نأى بغيابهِ
ولقد تعثّر بالشفاه تلهّفاً
كتعثّر الأعمى بفضل ثيابهِ
ترك الصديعَ مفجعاً نهب الجوى
في حيرةِ النسيانِ...عضّ بنابهِ
وتوضأ العشقُ الدفين بحزنه
يشكو الى ربّ البريةِ ما بهِ
دلفتْ الى حضنِ المودّةِ كالمها
حوّاءُ ترتشفُ الهوى برضابِهِ
وتكورتْ من زمهريرِ سنينها
كتكوّرِ المقرورِ بين صحابهِ
وتلعثمت من وسوسات حيائها
كتلعثمِ الجاني لفقدِ صوابهِ
تتحزم الوصلَ الشحيحَ بشالها
وتخاف من قابيل نعبَ غرابهِ
طللٌ من الأحباطِ أثقل همزها
من مسّ أوتارِ الصباِ بربابهِ
فكأنها الخنساء تندب صخرها
وتلوذُ من سيف الجوى بقرابهِ
قالت وقد مسّ الشغاف نحيبها
هل من عفيف أحتمي برحابهِ
وتحركتْ قيمُ الشهامةِ والنهى
وتوفزتْ شممٌ طغتْ بلبابهِ
ودَبَتْ دبيبَ الزاحفاتِ بحسّه
كي تستعيذ من الجفا بعتابهِ
وتأبطَّ الصبرَ الجميلَ من التقى
ليردّه بِرّاً بحقّ نصابهِ
ولكلِّ حيّ في الحياة نصيبه
ويجئ في الأخرى بقيدِ كتابهِ
وإذا تدارك قبل حفرةِ قبره
فيتوب من ذنبٍ ...نجا بمتابهِ
ويصر منكوس السريرة جاخيا
حتى يُوسّدُ خدُّه بترابهِ
ولضمّة القبرِ الرهيبة حقها
ولكلّ قبرٍ شاهدٌ بعذابهِ
ولمن تهجّد في القيامِ تبتّلا
قبرٌ يضئ على المدى بثوابهِ
سننُ الحكيمِ تقدست أسماؤه
فانْزلْ هُديتَ الفرقدين ببابهِ
هربتْ وما كان الهروب بطبعها
بيضاءُ زختّ دينها بسحابهِ
والعبدُ ما بين المخافةِ والرجا
يدعو العزيزَ رهابُهُ لرغابِهِ