أرى هرمًا في بهو فرعون هاويًا
ومازالت الأهرام شمًّا كما هيا
تصدَّع ركناه، وخرَّ أساسه
وقد كان مثلَ الطود بالأمس راسيا
ألا أيها الطرف الضنين بمَائه
دع الدمع، أو فاسكبه أحمرَ قانيا
تدفَّقْ؛ فهذا الحشد مأتم أحمدٍ
ولن ترجع الأيامُ أحمدَ ثانيًا
دفينٌ نناديه، ونهتف باسمه
وهل يسمع الميْتُ الدفين المناديا؟
توالت عليه أربعون عشية
فلم ندر: أجيالاً مضت أم لياليا؟
أطِلَّ علينا من سمائك لحظة
لتنقع أكبادًا بمصر صواديا
رنَتْ نحَوك الأحداق؛ والخطبُ محدقٌ
ولكنها ألفَتْ مكانك خاليا
أيُرديك سهم بين جنبيك طائش
وقد كنت سهمًا في الملمَّات ماضيا؟
ومثلك قد يرديه بالخب ثعلب
ولكنه يروي الأسود الضواريا
عهدناك تغشى الموت في كل مكمَن
وتكشف للمغتال صدرك عاريا
جناية قتل أنت بعض جناتها
لك الله مجنيًّا عليه، وجانيا!
تعجب قوم أن تموت، وإنما
تعجبت أن تبقى إلى اليوم ناجيا!
مصابٌ عرا دارَ النيابة فجأة
فروَّع أهليها، وهزَّ المبانيا
رأتْ علمًا يهوى؛ فقالت: من الفتى؟
فقيل لها: من شادَ رُكَنك عاليا
فضجت مغانيها، وضجت قبابها
ومال عليه منبر الدار حانيا
ولا حيَّ إلا راح يمسك جنبهُ
ولا قلبَ إلا خلته صار داميا
وقلَّب كفَّيه الطبيب بحسرة
وسهمُ الردى يعيي الطبيب المداويا
همو نضحوا بالماء داميَ جرحه
ففاح عبير الماء كالمسك ذاكيا
دمٌ أرخصَتْه كفُّ أحمقَ، طائش
وقد كان إلا في فدى مصر غاليا
أرى مصر يلهو بالسلاح شبابُها
فيا لشباب بات بالنار لاهيا!
رأوْا بعيون يعكس الضوء لحظها
كأنَّ على تلك العيونِ غواشيا
شبابَ الحمى، لا تجعلوا السيف بيننا
إذا ما اختصمنا في السياسة قاضيا
شباب الحمى، هلا ادخرنا سلاحنا
لِنَلْقَي به يوم الكفاح الأعاديا؟
ومنَ نَكَد الأيام: أن يحسب امرؤٌ
أبرَّ بني مصرٍ على مصرَ جانيا
فلا بارك الله الحروب وأهلها
فإِنا لقينا بالحروب الدواهيا!
ألا أيها الرامي، لك الويل راميا!
أتهدم بنَّاءً وتجرح آسيا؟
فجعتَ لعمري مصر في ليث غابها
وخلقت حيات بها وأفاعيا
غدرت فتى لا يعرف الغدرَ طبعه
يلاقي عداه سافرَ الوجه باديا
أصبتَ له وجهًا يفيضُ بشاشةً
وصدرا من البغضاء والحقد صافيا
فتى لم يكن فيه مجالٌ لريبة
فلم يتخذْ من صولة الجند واقيا
لقد لاذ بالإِنصاف طول حياته
ومن لاذ بالإنصاف لم يخش عاديا
فتى عاش، لم يغضب ويرضَ لنفسه
ولكن لمصرٍ كان غضبان راضيا
فمن أجلها عادى، ومن أجلها مشى
يمد إلى الخصم اليمين مصافيا
فتى الثورة الكبرى، كوته بنارها
ومازال حتى مات بالنار صاليا
لقدّ نهضَتْ مصرٌ، فما سار ركبها
إلى الموت إلاَّ كان للركب حاديا
زعيم بلوْناه: خطيبًا، وكاتبًا
فما خط هجرا، أو تكلم نابيا
إذا قرَّب الناس الوشاةَ، وجدته
كريم الحواشي؛ لا يقرب واشيا
وإن كُمت الأفواه، صاح برأيه
ولم يخش جبارًا من الناس عاتيا
تفاني أناسٌ في الحطام وجمعهِ
وآثرَ في حب البلاد التفانيا
يقولون: ماذا فات بعد وفاتِه؟
فقلت لهم: فيضًا من الدمع هاميا
ودنيا من الذكر الجميل عريضة
وكنزًا من المجد المؤثَّل باقيا
ألا، ما لسيف الهند فلَّ غِراره؟
وما لجواد السبق أصبح كابيا؟
بكت مصرُ في جنح الظلام؛ فأرَّقت
نجوم الدياجي إذْ بكتْ والدياجيا
فما لوعة الخنساء إذْ هي ثاكلٌ
تنوح على صخر، وتبكي معاويا؟
وما خص هذا الخطبُ مصرَ، وإنما
رأَيت بلادَ الشرق فيه سواسيا
طوى كلَّ مصرٍ خطب مصرٍ، فما درت:
أتقبل فيه أم تسوق التعازيا؟
ويوم كيوم الحشر هَوْلاً وموقفا
مشى الركب فيه مطرقًا متهاديا!
مشى النعش مثل الستر، والركب حوله
يسير الهويني، خاشع القلب، خاشيا!
فكم سال جفن كان في الخطب جامدًا
وكم ذاب قلب كان كالصخر قاسيا
كتائب تَتْرَى، خلفهن كتائبٌ
هي الغيث هطالا، هي السيل طاغيا
مشت خلفه مصرٌ، فلم أدر: هل مشت
تشيِّع ميْتًا أم تكرِّم غازيا؟
حُملت على الأعناق حيًّا، وميتًا
وكُللت في الحالين بالزهر حاليا
طوى العلم المصريَّ موتُك غيلة
وما كان يلقى غير موتك طاويا
لقد كان مخضرَّ الأسارير، ناضرًا
فأصبح مغبرَّ الأسارير، ذاويا
بدا كهلال الشك وجه هلاله
وأطلع نجمًا حائل اللون خابيا
لئن نكَّسوه يوم متَّ، فطالما
وقفت له في ساعة الروع حاميا
تسلمته حينا، فكادت نجومه
تطاول في الأفق النجوم الدراريا
لقد كنت تفديه، فمالك حينما
دنا الموت لم يقبل لك الموت فاديا؟
فتى النيل، عاهَدْناك أن نصل الخطا
وما ضل من يختار نهجك هاديا
وأنا، لعمري، إذ نعاهد أحمدًا
نعاهد حرًا، كان بالعهد وافيا
طوى الموت لما أن طواك صحائفا
من المجد فاضت عبرة ومعانيا
صحائِفُ خطتْ بالضياء سطورها
إذا تُلِيتْ، أمسى لها الدهر راويا