لا تركننّ إلى دارٍ حلاوتها
مرارةٌ فدعِ الأوهامَ وافتَكِرِ
والدهرُ لونان صبحٌ بعده غَلسٌ
هُما بما أحدثاه لوّنا شَعَري
يمشي الهوينى بنا والنفس غافلةٌ
إلى التي وِردُها يومًا بلا صَدَر
والمرء يمشي وإن طالت سلامته
إلى الزوال فخذ ما شئتَ أو فَذَر
تراود المرء أحلامُ الخلود ولا
يزال في كَبَدٍ منها وفي فِكَر
يبني الأماني ويرجو أن يتمّ له
ما يبتغي والمنايا منه في الأثر
كوارد البحر لا ينفك في ظمأٍ
حتى يُوارى عن الأبصار في الحُفَر
سار الأحبة عني وانطوى زمنٌ
كتابه كابتسام الصبح في النظر
تطوف من حوله والليل معتكرٌ
كما تطوف النجومُ الزُّهْرُ بالقمر
كأنه الروض مخضلاً جوانبُه
تروي حديث الشذا في أَلْسُنِ الزَّهَر
مدارسُ العلم قد جفّتْ مواردها
وكنّ يشرقنَ بالآيات والسُّوَر
من بعد يونسَ لم أحفلْ بحادثةٍ
يأتي بها الدهر من أحداثه الكُبَر
تجمّعت فيه أوصافٌ مفرّقةٌ
في سائر الناس فاستفسرْ عن الخبر
«عباسُ سلمان» في نعمى شمائله
أعطاك ميراث علمٍ فاسمُ وافتخر
تسلسلت بك من سلمانَ بهجتُه
فاخضلّ واديك من نفّاحِهِ العَطِر
خليلُ كان لسلمانٍ أخًا وهما
شعاعُ نورٍ على الأيام مزدهر
نجمان في أفُقِ العلياء قد طلَعا
فأصبحا بهجة الأزمان والعصُر
صفت نفوسُهما من كل شائبةٍ
فأشرقت كضياء الأنجم الزُّهُر
أخوّةٌ قد سَرَتْ في كل جارحةٍ
منا على عُدَواء الدهر والغِيَر
أصغيتَ للنغم العُلْويّ منسجمًا
به فأصبحتَ ملء السمع والبصر
شربتَ من حبه كأسًا سكرتَ بها
وما هنالك من خمرٍ ولا سَكَر
ورحتَ بالبارق العُلويّ مقتبسًا
نار الهداية من وهّاجه النَّضِر
رغبتَ عن هذه الدنيا وكنتَ بها
مثلَ الغمامة إذ تنهلُّ بالمطر
أين الصحائف تتلوها منشَّرةً
زهراءَ تفترّ عن غالٍ من الدُّرَر؟
تضمّخَتْ بالشذا القدسيّ وانسكبتْ
نوافحًا كنسيم الروض في السَّحَر