هو الحب لو تدري بما يصنع الحبُّ
لأعذرتَ مضنًى في الهوى دمعه سكبُ
أتزعم نصحَ الصبّ حين تلومه
وتحسب أن النصح يقبله الصبّ
يغالطني اللاّحي فأصبو لذكرهم
وأمّا لما يهذي فحاشايَ أنْ أصبو
فلله دمعي يومَ رقّقهُ النَّوى
بعينيَّ لا يخفَى ولا هو مُنْصَبُّ
تكفكفهُ كفّي مخافةَ عاذلٍ
وفي القلبِ نارٌ للأحبّةِ لا تخبو
وللهِ قلبي إذ تُقفّي ركابُهم
ينادي بهم مهلاً وقد بَعُدَ الركب
أسائِلكم رفقًا فإنَّ وراءَكم
فؤاداً إذا ما الشوقُ أنهَضَهُ يكبو
وإني إذا هبّت صَباً تستفزُّني
فتأرق أجفاني وقد رقدَ الصحب
تذكّرني أيامَ لهوٍ قضيتُها
بعصرِ شبابٍ لا يُرجّى له قُرب
سلوا ربعَكم كم قد سَقَتْهُ مدامعي
أنوحُ كذاتِ الطوقِ أندبُ أهلَهُ
بأكنافهِ مُضنًى وهل ينفعُ الندب
أسائلُ عافي الربعِِ طورًا وتارةً
أقول أجيبي أنتِ أيتُها الهَضْب
عهدتُ به عُرْبًا نزولاً وعهدُهم
قريبٌ ألا قُولي متى زمّتِ العُرْب
لئن لم أقفْ فيه وأنزفُ أدمعي
فلستُ بمشتاقٍ ودعوى الهوى كِذْب
أأسلو وتلك الدار يُوحش ربعُها
أليست بدارٍ كان يعطو بها السِّرب
خليليَّ قولا للزمانِ ألا اهتدي
فقد صالَ عدوانًا عليّ ولا ذنب
يقايسني فيمن سوايَ من الورى
أكلُّ ضُروب الناسِ في نصله ضَرْب
فإني وإن كنتُ الحليمَ على الأذى
فللبطشِ أسيافٌ لعمركَ لا تنبو
ألستُ من القوم الذين بنَوْا لهم
بيوتًا على العلياء من دونها الشُّهْب
ومن معشرٍ سادوا الأنامَ بفضلهم
فظلّت تُغنّي فيهمُ العُجْمُ والعُرْب
ولستُ أرى العلياءَ إلاّ كما الرحى
علينا متى دارت فنحن لها قُطب
فمن كان مثلي هل يعيش مُذلّلاً
وهم موردي يا حبّذا المورِدُ العذب
سأركبها جُرْدًا أخوضُ بها الرّدى
فترسب بي آنًا وآونةً تربو
أجوبُ الفلا نصلاً بعزميَ مُفردًا
وليس معي إلا الذوابلُ والحرب
فإنّ القنا للمرء أصدقُ صاحبٍ
وأخلصُ خِلٍّ بعدها للفتى القُضْب
عسى أُدركُ المقصودَ في طلبِ العلا
فإني الفتى المعروف والعَلَم النَّدْب
وحبُّ العلا فخرًا بأني زعيمُها
وخيرُ بني الأيام من للعلا حَسْب
إذا مِتَّ مُتْ بين الرماحِ وقُضْبها
فأكرمُ مَيْتٍ من تحفّ به القُضْب
فان الفتى يفنى ويبقى حديثُه
فإن كان خيرًا دام ما دامتِ الحُقْب
ويا رُبَّ مقدامٍ على الحرب سالمٍ
ويا ربَّ ذا حَيْنٍ يموت ولا حرب
وإياك في حزبٍ تؤمّ لظى الوغى
فإنّ القنا والسيف والساعدَ الحِزب
ألم ترني فردًا إذا ما قصدتُها
فأسرايَ منها ما يضيق به الرحب
شهدتُ وأشهدتُ الحروبَ بما رأتْ
فعمّا رأتْ سلها تُحدّثكَ الحرب
عدوتُ وقد فرَّتْ أمامي أُسودُها
وحشوُ حَشاها إذ عدتْ منّيَ الرعب
ولستُ أرى لي بالشجاعة مَفخرًا
فأقضي به عمري نَعَمْ مفخري الكُتْب
بلى أنا من قوم تشيب شيوخُهم
عليها وإن شبّوا على حُبّها شبُّوا
فكم بحرِ علمٍ زاخرٍ خُضتُ لُجَّهُ
فأُبتُ وفي أكماميَ اللؤلؤُ الرطب
وكم مشكلٍ في العلم مُرخًى حجابُه
تجلّى لفكري خوفَ أن تُخرَقَ الحُجْب
فأصبحتُ لا أرضى المجرّةَ منزلاً
وقبلي أبي من دونه انحطّتِ الشُّهْب
لقد قلّدَ الدينَ الحنيفَ «جواهرًا»
مُميَّزةً عن أن يكون لها تِرْب
وأخمدَ نارَ الغيّ بعد لهيبها
بوكفِ يراعٍ لا طِعانٌ ولا ضَرب
فقل للذي قد قاس فينا سواءنا
ولا نستوي لن يستوي التِّبْرُ والتُّرب