قَوَامُ التي مَرَّت صَبَاحًا بِحَارَتِي
يَقِينٌ وإِنكَارِي صَلَاةُ استِخَارَةِ
وما بَينَ عَينَيها وقَلبي فُجَاءَةٌ
تَصَادَت كَكَسرِ الرَّعدِ صَمتَ المَغَارَةِ
بَدَت كالتي غابَت.. قَوَامًا ونَظرَةً
وبي مِن خَيَالِ الشَّوقِ أَلفُ استِعَارَةِ
وكَم تَكذِبُ الأَشبَاهُ إِن غَابَ أَصلُها
وكَم يُخطِئُ المُشتَاقُ رُغمَ المَهَارَةِ
لَقَد أَرجَعَت شَوقِي سِنِينًا إِلى التي
سَرَت في عُرُوقِ الرِّيحِ يَومًا وسَارَتِ
وقَد أَوقَدَت مَا لَيسَ يَخبُو لَهِيبُهُ
وما خَلَّفَت إِلَّا رَمَادَ انبِهَارَةِ
ولَمَّا نَأَت عني وأَيقَنتُ أَنَّنِي
تَوَهَّمتُ.. لَم أَشعُر بطُولِ استِدَارَتِي
ولَم أَستَفِق إِلَّا وقَد هَزَّ سَاعِدِي
غَرِيبٌ ووَازَانِي عَمُودُ الإِنَارَةِ
وما كُنتُ قَطَّاعَ الإِشَارَاتِ.. إِنَّمَا
قَلِيلٌ على المُشتاقِ قَطعُ الإِشَارَةِ
يَقُولُونَ لِي: خَالَفتَ! يا لَيتَ أَنَّهُم
رَأَوا غَيمَةً سَودَاءَ غَطَّت قَرَارَتِي
ولَو أَنَّهُم ذاقُوا عَذَابي بذِكرِها
لَمَا استَغرَبُوا قَولِي وقَاسُوا حَرَارَتِي
كَمَا يَستَعِيدُ الكَهْلُ ذِكرَى طُفُولَةٍ
وتَستَرجِعُ الأَطلالُ عِطرَ الحَضَارَةِ
كَمَا يُبصِرُ الأَعمَى على المَاءِ وَجهَهُ
ويَستَنشِقُ البَاكِي قَمِيصَ البِشَارَةِ
كَمَا يَلمَحُ المَهجُورُ طَيفًا لِوَصلِهِ
تَذَكَّرتُ.. والذِّكرَى عَذَابُ الخَسَارَةِ
على زَهرَةٍ في القَلبِ حَطَّت فَرَاشَةٌ
وطَارَت.. ولا أَدري إِلى أَينَ طارَتِ!
يَمَانِيَّةٌ يُغنِي عَنِ الوَصفِ ذِكرُها
ويُغنِي سِوَاها عَن هُمُومِ الصَّدَارَةِ
إِذا ما بَدَت حَسنَاءُ شَبَّهتُها بها
وإِن لَم تَكُن أَهلًا لِذَاتِ الجَدَارَةِ
ولَو أَنَّها لَم تَرْقَ حتى لِشَامَةٍ
على خَدِّها.. أَو وَردَةٍ في السِّتَارَةِ
وفي الأَرضِ ما فِيها مِن الحُسنِ دُونَها
ولكنَّها كالدُّرِّ بَينَ الحِجَارَةِ
تَذَكَّرتُ مَن لِلَّيلِ ظِلٌّ بِرمشِها
ولِلصُّبحِ دُرٌّ خَلفَ جُنحِ المَحَارَةِ
تَذَكَّرتُ مَن لَم أَنْسَ يَومًا.. ولَم أَكُن
لِأَنسَى التي في القَلبِ كانت وصَارَتِ
تَذَكَّرتُها حتى تَلَاقَت خَوَاطِرِي
وسَالَت على رُوحِي دُمُوعِي وفَارَتِ
وقَد حِرتُ.. لا أَدرِي إِلى أَينَ وِجهَتِي
ولا أَينَ تَمضِي بي دُرُوبُ المَرَارَةِ
أَتَدرِي التي مَرَّت بقُربي هُنَيهَةً
وإِنْ لَم تَكُن مَرَّت بقَصدِ استِثَارَتِي
بأَني قَضَيتُ اليَومَ لَيلًا مِن الضُّحَى
وأَدمَيتُ أَقدَامِي وضَيَّعتُ حارَتِي
وأَنِّي دَخَلتُ الحَيَّ مِن غَيرِ حاجَةٍ
وأَني ظَنَنتُ السُّورَ بابَ العِمَارَةِ
وأَني وفي كَفَّيْ مَفَاتِيحُ غُرفَتِي
بَدَا البابُ مِن خَلفِي.. فَأَفزَعتُ جَارَتِي!
ولَاقَيتُ ما لَاقَيتُهُ مِن صُرَاخِهَا
وكُذِّبتُ إِثبَاتًا لِسُوءِ الزِّيَارَةِ!
وضَاعَت على قَدْرِ انكِسَارِي مَدَارِكِي
وضَاقَت على قَدرِ اتِّسَاعِي عِبَارَتِي