أبٌ لم يلدكَ، ولكنْ أبُ
حليبك من بذله طيِّبُ!
بنى وطناً، فاستطال البناءُ
وعزَّ على طامعٍ مطلب
تدفّقَ كالبحر، يوم الوفاءِ
فأعطى الحنانَ الذي يُوهَب
وأدَّب بالحب أبناءنا
فعلَّم بالحب مَن أدبوا
تبارك، فهْو الذي نستقي
بنعماه، وهْو الذي نحلب!
غريباً مضى، ضارباً في الفجاجِ
له المجدُ صهوة ما يركب
وهاجَرَ، لا الضيق يحدو به
ولا عزّ من دونه مأرب
ولكنها سعةٌ في الرجاءِ
يذلّ لها الأرحب الأرحب
وآبَ الغريبُ بمجد الصباحِ
فآبت بأمجادها تغلب!
وكم هجرةٍ في كتاب الزمانِ
يهون لديها الذي يصعب
كمريمَ إذ حملت طفلَها
لأرض الكنانة، لا ترهب
صبيٌّ تكلّمَ في مهده
فهزّ العروشَ، وما تحْزب
وهاجر أحمدُ عن مكةٍ
فضمّته في صدرها يثرب
بيمناه يحمل قرآنَها
وجندُ السماء له تعْصِب
فأعظِمْ بأمّيِّها المصطفى
وبالمؤمنين، ومَن يصحب!
بنونا، وآباؤنا في المدى
رياحُ الجفاء بهم تضرب
غصونٌ من الأرْز والسنديانِ
بهم نغتدي، ولهمْ نذهب
بأرواحنا، واصطفاق الضلوعِ
إذا ودَّع الأهلَ، أو رحَّبوا
فكم أرْزةٍ ضمّها مشرقٌ
ليحضنَ إخوتَها مغرب
غصونٌ يباركها زارعٌ
فكل يبيسٍ بها مُعْشِب!
سكبنا لها أدمعَ الكبرياءِ
بكأسٍ من الشوق إذ يلْهب!
بعيدٌ، وتعْمر منه القلوبُ
حبيسٌ، ويحيا به المجدب
وكم من قريبٍ نأتْ دارهُ
وآخرُ في نأيه يقرب
كأنَّ رسائله نفثةٌ
من الصدر، لا كلم تُكْتَب
تُسابقُ فيها الشفاهُ العيونَ
لتقرأ ما كتب الغُيّب
مناجاتها مثل همس الهوى
وأسطرها الحلم المُذْهَب
لها رعشةٌ في ضلوع البريدِ
وأخرى بأضلاعنا تُسكَب!
ويا جبلاً فارعاً كالضحى
له في حدود السنا مضْرِب
تأصَّل فيه شموخ الذرى
وراح الخلودُ له يُنْسَب
رسالتُه الحب آياتها
وإنسانها المثل الأطيب
محمد هاجر من أجلها
وعيسى على دربها يُصلب
فدُمْ وطنًا آهلاً بالشروق
فإنَّ شموسَكَ لا تغرب