أَمِنْ أَلَمِ الأَسْقَامِ دَمْعُكَ قَدْ جَرَى؟
وَفِي ظُلْمَةِ المَشْفَى نَسِيتَ مَنِ انْبَرَى؟
رَمَتْكَ صُرُوفُ الدَّهْرِ فَوْقَ سَرِيرِهَا
نَحِيلاً، كَأَنَّ المَوْتَ فِي الظِّلِّ أَبْصَرَا
تَعَالَيْتَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ تَبَتُّلاً
رَأَيْتُ حَنِينَ القَلْبِ يَقْتَحِمُ العَرَا
أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَمَا تَرَى
ضَنَى جَسَدٍ قَدْ هَدَّهُ طُولُ مَسْرَى
أَبِيتُ أُقَاسِي السُّقْمَ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ
وَأَشْرَبُ مِنْ كَأْسِ المَنِيَّةِ صَبْرَا
بِمَشْفَىً شَحِيبِ اللَّوْنِ تَبْكِي جُدُرُهُ
وَقَلْبِي عَلَى لُقْيَاكِ يَحْتَرِقُ السُّرَا
أَنِينٌ بِأَضْلَاعِي وَوَجْدٌ أَذَابَنِي
فَلَا النَّفَسُ المَحْبُوسُ يَلْقَى لَهُ مَجْرَى
حَبِيبَةَ رُوحِي هَلْ عَلِمْتِ بِمِحْنَتِي
وَقَدْ غَارَ نَبْضِي فِي الشَّرَايِينِ غَوْرَا
أَمُدُّ يَدِي نَحْوَ السَّمَاءِ تَضَرُّعاً
لَعَلَّ سَنَا طَيْفٍ يُزِيحُ بِيَ الضَّرَّا
يَقُولُونَ لِي اصْبِرْ وَالمَوَاجِعُ تَلْتَظِي
وَكَيْفَ لِمَنْ ذَاقَ الرَّدَى أَنْ يَصْبِرَا؟
أَرَى المَوْتَ يَدْنُو كُلَّ حِينٍ وَبُرْهَةٍ
وَيَنْسِجُ مِنْ ثَوْبِ السَّقَامِ لِيَ الوَزْرَا
فَإِنْ حَانَ حِيْنِي قَبْلَ لَثْمِ جَبِيْنِكِ
فَخَلِّي دُمُوعَ الطُّهْرِ تَنْهَلُّ مَطْرَا
وَقُولِي قَضَى نِضْواً غَرِيباً بِحُبِّهِ
وَذِكْرُكِ فِي جَوْفِ الحَنَايَا قَدِ اسْتَرَّا
عَشِقْتُكِ حَتَّى بَلَّتِ السُّقْمُ أَعْظُمِي
وَمَا زَالَ حُبِّي كَالسَّحَابِ إِذَا مَرَّا
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا لَمْ تُرَافِقِي
فِرَاشِي، وَإِنِّي قَدْ رَضِيتُ بِمَا قَرَّا
يُقَلِّبُنِي كَفُّ الأَسَى فَوْقَ مَضْجَعِي
وَأَرْقُبُ أَنْوَاراً تَلُوحُ لِيَ صُفْرَا
أَسِرَّةُ هَذَا المَشْفَى صَمْتٌ يَؤُدُّنِي
كَأَنَّا حَفَرْنَا فَوْقَ حَائِطِهِ القَبْرَا
أَرَى المَوْتَ فِي عَيْنِ القَوَابِلِ وَارِدًا
وَأَسْمَعُ خَطْوَ البَيْنِ فِي أُذُنِي نَقْرَا
أَمُرُّ بِأَنْفَاسِي الثِّقَالِ كَأَنَّمَا
أَجُرُّ جِبَالَ الأَرْضِ فِي صَدْرِيَ جَرَّا
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَاكِ لِمَرَّةٍ
فَتُطْفِئُ هَذِي الرُّوحُ مِنْ دَمْعِيَ النَّهْرَا
وَيَا لَيْتَ كَفّاً مِنْكِ تَمْسَحُ لَوْعَتِي
عَلَى رَأْسِ مَخْذُولٍ بِهِ السُّقْمُ قَدْ أَزْرَى
تَعَالَيْ فَإِنَّ العُمْرَ يَمْضِي كَلَمْحَةٍ
وَصِرْتُ هَبَاءً فِي مَهَبِّ المَنَى نَثْرَا
أُنَاجِيكِ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ بِلَوْعَةٍ
وَقَدْ غَابَ عَنِّي مَنْ أُحِبُّ وَمَنْ بَرَّا
أَمُوتُ وَحِيداً وَالحَنِينُ يَمُدُّنِي
بِعُمْرٍ قَصِيرٍ كَيْ أَرَى طَرْفَكِ الحُرَّا
وَلَوْ قُطِعَتْ كُلُّ الحِبَالِ وَأَمْحَلَتْ
لَأَبْقَيْتُ حَبْلَ الشَّوْقِ فِي مَوْتِيَ ذُخْرَا
فَإِنْ سَكَنَ النَّبْضُ العَلِيلُ وَوَدَّعَتْ
حَيَاةٌ لَهَا طَعْمٌ بِمَنْفَايَ كَانَ مُرَّا
خُذِي طِيبَ أَنْفَاسِي بَقَايَا صَبَابَةٍ
لَعَلِّي إِذَا هَبَّ النَّسِيمُ أَرَى الفَجْرَا
وَلَا تَتْرُكِي لِلْيَأْسِ فِيكِ مَسَالِكاً
فَإِنَّ حَيَاةَ المَرْءِ مَهْمَا رَبَتْ خُسْرَا
سَأَبْقَى بِقَلْبِكِ رَغْمَ مَوْتِيَ نَسْمَةً
تَمُرُّ بِرِمْشِ العَيْنِ أَوْ تُلْهِمُ الشِّعْرَا
وَمَا المَوْتُ إِلَّا نَوْمَةٌ بَعْدَ سَهْرَةٍ
رَعَيْتُ بِهَا كَوْنَ الغَرَامِ فَمَا قَرَّا
فَيَا لَوْعَةَ المَشْفَى وَيَا أَلَمَ النَّوَى
كَفَاكِ فَقَدْ أَوْفَيْتُ فِي حُبِّكِ النَّذْرَا
إِلَى اللَّهِ مَضْوَايَ وَأَنْتِ أَمَانَتِي
وَفِي كَفِّنِي مِنْ طِيبِ ضِحْكَتِكِ العِطْرَا
وَدَاعاً وَقَدْ خَطَّ النُّحُولُ نِهَايَتِي
وَمَا بَقِيَتْ إِلَّا القَصَائِدُ لِي ذِكْرَا
أَنَا مَنْ أَحَبَّكِ وَالسِّقَامُ يَهُدُّنِي
وَظَلَّ يَرَاكِ الشَّمْسَ وَالدُّنْيَا لَهُ قَفْرَا
أَرَى النُّورَ يَخْبُو وَالفَضَاءُ بِيَ انْزَوَى
وَأَبْصَرْتُ خَلْفَ الغَيْبِ مَا لَمْ يَكُنْ يُرَى
فَيَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ الأَنِينِ فَقَدْ دَنَا
رَحِيلٌ يُعِيدُ العَبْدَ لِلْخَالِقِ البَرَا
وَيَا مَشْفَى الأَوْجَاعِ حَانَ تَفَرُّقِي
لِأَتْرُكَ فِيكَ السُّقْمَ وَالهَمَّ وَالذُّخْرَا
خُذِي يَا حَيَاةَ الرُّوحِ آخِرَ نَظْرَةٍ
لَعَلَّ بِهَا مِنْ كُلِّ أَحْزَانِنَا طُهْرَا
سَأَرْحَلُ لَا أَبْغِي مِنَ الدَّهْرِ مَطْلَبًا
سِوَى أَنْ يَظَلَّ الوُدُّ فِي صَدْرِكِ البِكْرَا
وَدَاعاً لِأَهْلِ الأَرْضِ، لِلشَّوْقِ، لِلنَّوَى
وَدَاعاً لِعَيْشٍ كَانَ فِي حَقِّنَا قَسْرَا
لَقَدْ جَفَّتِ الأَقْلَامُ وَانْكَسَرَ المَدَى
وَمَا بَقِيَ إلَّا ذِكْرُ مَنْ لِلْوَفَا أَبْرَى
أَنَا الرَّاحِلُ الظَّمْآنُ كُسِّرَ كَأْسُهُ
وَقَدْ حَالَ دُونِي القَبْرُ إِذْ مَدَّ لِي شِبْرَا
فَيَا رَبِّ ثَبِّتْ عِنْدَ لُقْيَاكَ مُهْجَتِي
وَهَبْ لِيَ صَفْحاً يَمْحُو عَنِّيَ مَا مَرَّا
طَوَيْتُ سِجِلَّ العُمْرِ وَالقَلْبُ وَاجِفٌ
إِلَيْكِ، وَإِنْ شَطَّ المَزَارُ بِيَ العَسْرَا
فَلَا تَنْدُبِي يَوْمِي، وَلَكِنْ تَذَكَّرِي
غَرِيباً سَقَاهُ الحُبُّ فِي مَوْتِهِ النَّصْرَا
خَرَجْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَبِي لَكِ لَوْعَةٌ
سَتَحْيَا مَعَ الأَيَّامِ مَا أَوْرَقَ الشَّجْرَا