حارتُنا مخبوءةٌ في حيّ عابدينْ
تطاولتْ بيوتُها كأنها قلاعْ
وسَدّتِ الأضواءَ عن أبنائها الجياعْ
للنور والزهور والحياه
فاغرورقتْ في شجوها وشوقها الحزينْ
نوافذٌ كأنها ضلوعُ ميّتينْ
وبابُها عجوزْ
وفوق عتمةِ الجدارْ
صفيحةٌ مغروسةٌ في كومة الغبارْ
تآكلتْ حروفُها لكنّها تضوعْ
زهرة الربيعْ
وفي البكور يخرج الرجالْ
أقدامُهم منهوكةٌ وصمتُهم سعالْ
يدعون للإله في ابتهالْ
يا إلهْ
اِفتحْ لنا الأبوابْ وسهِّلِ الأرزاقْ
وتختفي أقدامُهم في زحمة الحياه
ويصخب العراكُ في شتائمٍ يدورْ
وبائعُ الكرّاتِ والجرجيرْ
يُنغّم النداءْ
في صوته انطلاقةُ الحَمامِ في السماءْ
يختال كالأوزِّ في القرى
فيهدأ السّبابْ
وتُرسل البناتُ من نوافذ البيوتْ
أشذاءَ أغنياتْ
تحنّ للنّيون والعبيرْ
في عالمٍ بعيدْ
وللعَرِيس وهْو في ثيابه يميسْ
وتُورق الألحانُ في القلوبْ
فتنسج الكرومُ من أشعة النهارْ
لزهرة الربيعْ
حارتُنا مخبوءةٌ في حيّ عابدينْ
أطفالها في الصبح يمرحون كالطيورْ
يبنون في السدود يقفزون كالقرودْ
محمدٌ عيونُه الشهديّةُ الصَّفاءْ
تخضلُّ بالحنانْ
و«صابرٌ» في وجهه استدارةُ الريالْ
و«رفعتٌ» بأنفه يدبّ كالمنقارْ
وأخته كالنور «ياسمينْ»
في رجلها خلخالْ
وذاتَ يومٍ مشرقِ السّناءِ كالبلّورْ
تَجمّعوا كأنهم بدورْ
«محمدٌ» يحكي لهم في لثغة العصفورْ
عن راكب الحصان في الميدانْ
والماءُ من نافورةٍ تُضاءْ
ينساب للسّماءْ
والشجرُ المخضوضر الكثيرْ
حارتنُا يا إخوتي تمتدّ كالثعبانْ
ووالدي هناك عبر شارعٍ مسحورْ
بيوتُه قصورْ
يبيع في ملابس النساءِ والرجالْ
وصاحبُ الدكّانْ
«خواجةٌ» دماؤه حمراءُ كالبطّيخْ
فقالتِ الأطفالُ يا سلامْ
وأطرقتْ «ياسمينُ» في براءة الملاكْ
لتقْطرَ الكلامَ مثلَ زهرةٍ تفوحْ
أريد من أبيكَ يا محمدٌ فستانْ
وهام في وجوههم سؤالْ
وانزلقتْ عيونُهم في ثوبه القديمْ
وطافتِ الهمومُ فوق رأسه الصغيرْ
ورفّتِ الدموعْ
وحين عاد كالأسى الرجالْ
أقدامُهم معروقةٌ، وصمتُهم سعالْ
وحطَّ كالغيوم في حارتنا الظلامْ
تناغتِ العيالُ في الأعشاشْ
يسألون في العشاء عن قصورْ
وراكب الحصانِ في الميدانْ
والشجر المخضوضر الكثيرْ
وانهمرتْ دموعُهم في زهرة الربيعْ
«محمدٌ» ينام والأطفال والأحلامْ
حارتُنا مخبوءةٌ في حيّ عابدينْ
تطاولتْ بيوتُها كأنها قلاعْ
وبابها عجوزْ
وفوق عَتمةِ الجدارْ
صفيحةٌ مغروسةٌ في كومة الغبارْ
تآكلتْ حروفُها لكنها تضوعْ
«زهرةُ
الربيعْ»