سأذكره ما يمرُّ النسيمْ
سأذكر فيه المحيَّا الوسيمْ
تبسّمُ في مقلتيه المنى
ويشرقُ في وجنتيه النّعيم
نعيمُ الصِّبا ورده قد بدا
له رونقٌ فوق غصنٍ قويم
يضُوع الشّذى يا لطيب الشّذا!
يضوع بطيبٍ له مستديم
كأني به نفحةٌ من رضى
تغلغلُ في خافقي للصّميم
تكفكفُ ما يحتوي من جوًى
وتمحقُ ما يحتوي من هموم
فأصبح بعد الأسى والضَّنى
على ذروةٍ من نعيمٍ مقيم
وأهوى الوجود يكاد الهوى
يبرِّح بالقلب حتى يهيم
وما كان يبدو بعيني قذًى
أراه جميل الرؤى والرّسوم
وتصفو سمائي وراء الربا
تقشّع عنها الدّجى والغيوم
وأغدو كأني ملكت الدّنا
وإنّيَ في قبضتيَّ النجوم
سأذكره ما يمرُّ النسيم
سأذكرُ فيه الوفيَّ الحميم
يبادر بالودِّ حيث التّقى
بكفٍّ نديٍّ وقولٍ كريم
ويسرفُ في الجود حتى غدا
يفيء إلى جوده مَنْ يروم
أعان على دهره ما ابتغى
جزاءً فكان الأبرَّ الرحيم
سأذكرُ فيه الجدى والندى
سأذكر فيه أناة الحليم
وأذكر فيه الحِجى والنّهى
وأذكر فيه سداد الحكيم
على دربه مشعلٌ للهدى
على هديه خطوة المستقيم
تخطّى إلى الخير أقصى مدًى
وآلى على عهده أن يقيم
فعاش معيشته في الورى
مدى عمره ما له من خصيم
سأذكره ما يمر النسيم
وأذكر يوم العبور العظيم
فأذكره في سماء الوغى
يجالد فيها القضاء الغَشُوم
يجالده لا يبالي الرَّدى
ولا ينثني إذ تخفّ الحلوم
تطاير من حوله للعدى
شراذمُ من قاذفات الرّجوم
يباغتها ماردًا لا يُرَى
يمطّرها من شظاظٍ حميم
فتهوي على ذعرها للثّرى
مُحطّمةً في مهاوي التّخوم
وتمضي كما غيرها قد مضى
وراح بلا رجعةٍ للقدوم
سأذكره ما يمر النسيم
سأذكر فيه مصابي الجسيم
بنى جنتي يا له من بِنًا
وشيّد فيها قصور النّعيم
وأنزلني منزلاً مشتهًى
لديَّ به كل شيءٍ مروم
وجاد فأجدى بطيب الجنى
جناه شفاءٌ يداوي السَّقيم
وفي ذات يومٍ أراني ضحًى
على غِرّةٍ في ظلامٍ بهيم
طوى جَنتي في خِضَم الدّجى
وطيْر المنايا عليها يحوم
وزُلزلتِ الأرض زلزالها
وأهوتْ عليها رياحٌ سَموم
وفي طَرفَةِ العين ضاعت سدًى
فأمسى على كومةٍ من هشيم
سأذكره ما يمرُّ النّسيم
سأذكر ما دمت حيّا أقيم
وإن صرتُ في جوف قبرٍ رديم
سيذكره مِنْ عظامي الرّميم