قليلٌ من الشعر ليس يضرُّ،
فحاولْ إذا جئت تكتبُ تاريخَ حزنك
أن لا تضيف إلى أمنياتك
بعض التفاصيلْ
وحاولْ
إذا عدتَ للبيت
في ليلة من ليالي الشتاء الكئيبة
أن لا تخاف انطفاء القناديلْ …
فكلُّ الشتاءات بردٌ وفقدٌ،
ولا فرقَ بين جُواحِ الثكالى ورجع التعاليلْ
وحاولْ
إذا جئت تخلدُ للنوم
أن تستعيدَ شريطَ نهاركَ
حتى تغربلَ ما كان من تُرّهات الحياةِ،
فتشطبَها من قواميس عمرك
كي لا تجيئك في آخر العمر ذكرى
تعكّرُ أيامك المنهكاتِ
فتسقطَ مثل عذوق النخيل.
ولا تنتظرْ
حين يسرقك العمر من ذكرياتكَ
أن تفتح الباب للريحِ،
حاولْ بأن تتقمّص دور الجَّسور
وألقِ عصاكَ لتلقف ما يأفكُ العمر
من وجعٍ
قبل يومِ الرحيلْ.
وحين تعود المساءات حُبلى بأسرارها
لا تحاولْ
بأن تطعم الليلَ
ما قد تبقى بقَصْعتها
من شجون المواويلْ
فبعضٌ من الشّعر في زمن الحرب
يكفي لتدرك أنّك فاتك شيءٌ كثيرٌ،
فما زلتَ تسكنُ بيتك،
تأكلُ وجبتك المشتهاةَ،
وتصحو تمارسُ طقسَ الحياةِ
كما كنتَ تفعلُ من قبلُ،
تسمعُ صوتَ الأذان،
تصلي الفُروضَ على وقتها،
وتعودُ من السوق
تحمل ما تشتهي من طعامٍ وفاكهةٍ
وكثير من الطلبات التي يشتهيها الصغار،
وأكثر أكثر مما يريدونَ
في وطنٍ لا يحيط به الموتُ من جانبيه
ولا يستفيق على صوت قنبلةٍ في الجوارِ،
وأوديةُ الدمِ من كلِّ حدبٍ تسيلْ.
وغزَّةُ
تصحو على الموتِ كلّ نهارٍ
تشيّع أطفالها للسماءِ،
وترفع لله كفّ الضراعة أن لا تلينَ وأن لا تهون،
وفي غزّة الماءُ ليس متاحا،
ولا يجدون سبيل الطعامِ،
ولا يجدون مكانا لبعضٍ من النومِ
حين يحلُّ الظلامُ،
فحتى الحصولُ على فسحةٍ لتنام بغزّةَ
ضربٌ من الترف
المستحيلْ.