حائراتُ الفكْر من عمق الغسق
زَعزَعت للعقل مكْنون القلقْ
تسأل الأكوان سِرًّا قد غُلِقْ
عن مكان الرّبِّ خلاِ ق الشفق!
ضحِكَ الفجرُ ببَرّاق الشهُبْ
نافخا في الناي وهْجًا من لَهَبْ
سالِبا لليْل مفعول الغلبْ:
ليس لله مكانٌ أو حِقبْ
في مياه رَجَّجتْ صُلْبَ المباني
ودلالٍ بَانَ في وقْع الحِسانِ
كان لله حضورٌ ومعاني
سرعةُ الساعات مِن بطء الثواني
في شجاعٍ مُلئ القلبَ لظى
وجبانٍ هَدّهُ نحْبُ القَضا
كان نطقُ الله يسري في الفَضا
فلكَ الحمدُ وأرجوك الِرّضى!
فتّق الفجرُ لعين الصخر دمعَا
ذرْذرتْ فوقه شمسُ الصبح لَمْعا
وقَريرُ الليل منه صاغ شمْعا
نُسِجتْ أفضالُه للروض مرعى
واحتسى الوردُ خمورَ الطلّ سُكْرا
روِيتْ منه بطاحُ العُشب نَضْرا
وتلوّتْ باسقاتُ النخلِ شكرا
لِلذي أعذاقَها رصّع تمْرا!
قلتُ:هذي الروح مازالت تطوفْ
عن خفايا الغيب تستجدي الألوفْ
هزّها هوْلٌ بِنا ماضٍ عَصُوفْ
يُسكِر القومَ على قرْع الدفوفْ.
فأزِلْ يا فجرُ عن قلبي الضَّررْ
رحلةُ العيش سريعا ما تَمُرْ
فمِن التخريفِ تضييعُ العمُرْ
إنّما المنطقُ تمتيعُ البصرْ:
رقّق اللطفُ لصدرِ البنت نهْدا
من فحيح النبض مسعورا تبَدَّى
فائرا بالّسّحْرِ إغراءً وجِدّا
فتّت الروحَ وهَدّ الجسمَ هَدّا
سرُّ هذا الكونِ يا ربّة شِعْري
هامَ من وجْدكِ في أعماق سِرّي
خَلَط الأشواقَ أحْلاهاِ بمُِرّ
وأراق الدهْرَ مصْهورا بعمْري
وشْوشَ الفجرُ زُهُوّا وبَطرْ:
إنكَ الإيمانُ لو تدري ظهرْ
كلُّ هذا العشقِ يا صاح صُوَرْ
ترسُم اللهَ ضياء للبشَرْ
مَن تُرى كُلَّ البديعات صَنعْ
إنّهنّ اللهُ بالخلْق ارتفعْ
فأجاد الفنَّ من أسمى البِدعْ
ورمَى حوّاءَ للعشْق وَلَعْ!
رقصتْ في الوُرْق قطْراتُ النّدى
وتَلا الشلالُ دَفّاقَ الشَّدا
فاقشعرّ الروحُ مِن قلب الردى
شاكرا لله أفْضالَ الهُدَى!
مِن عذاب العشق أدركتُ وجودي
وبأنّ الحبّ عنوان الخلودِ
وبأنّ الله يسري في قصيدي
ثبّتَتْه راحُ خَلاقِ العبيد!