لمْ نكُنْ صالحينَ
(ليلةٌ وجمهورٌ كئيبٌ)
(كلُّ عملٍ صالحٍ يُعلنُ عن ذاتِهِ بأسماءٍ عذبةٍ؛
لا يُنجِبُ إلاَّ اللَّعنةَ)
جِبران
(مُفتَتَحٌ)
غيرَ أنَّا لمْ نكُنْ صالحينَ بِما يكفي كيْ نعبرَ بأبيضِنا،
بأبيضِنا فقط دونَ أعوانٍ...
إذْ أنَّنا لمْ نكُنْ صالحينَ بِما يكفي... إلخ!
(مُفتَتَحٌ... ثاني مرَّة)
أنتَ بمعطفِكَ الذي لملَمْتَ بهِ خيبتَكَ والوطنَ،
وأنا بدخَّانِ سَجائري الرَّخيصةِ يومذاكَ،
والأصدقاءُ بِما تَيَسَّرَ مِن الفُكاهةِ غيرِ المُضرَّةِ...
كنَّا نُشيِّدُ عمرانَ القطيعةِ دونَ أنْ ندري!
(مُفتَتَحٌ أيضًا)
أتذكَّرُ المَشهدَ:
حالمونَ بضفَّةِ البحرِ البعيدةِ،
صراخُ سائقي سيَّاراتِ النَّقلِ،
دمعةٌ فرَّتْ مِن قلبِكَ –ولمحتُها وحْدي- حينَ أزفَ الرَّحيلُ!
(المتنُ)
قفْ على قدميكَ كالصَّليبِ؛
ولنلعنْ ليلتيَ الطَّويلةَ،
تلكَ التي غنَّيتُ لها:
ضلِّلي الحقيقةَ كما دومًا،
وانتقِمي لجديلتكِ التي احتطبَها قلقي،
خبريهُمْ عنِّي!
وافضَحي ما اجتهدتُ دهرًا أستُرُهُ،
قُولي لهمْ مِن باب التَّقوُّلِ:
إنَّني وسيمٌ،
وأنَّ شَعريَ يكادُ أنْ يخنقَ النَّهرَ،
وإنَّ أصابعي جوقةٌ شعبيَّةٌ...
تُغنِّي حتَّى تأفلَ الكأسُ،
وإنَّ كلَّ طفلةٍ أخلُقها تطعنُني بإتقانٍ،
وإنَّ العابرةَ - التي صادفتُها مُراهِقًا – مقعَّرةٌ وبلا نهديْنِ،
حتَّى أنَّها دونَ تضاريسَ يذكرُها رسَّامٌ،
وإنَّ الحزنَ الذي أدَّعيه لا يؤهِّلُني للبُكاءِ،
وإنَّني تحدَّثتُ عن التَّشرُّدِ دونَ أنْ أقرأَ الرَّصيفَ،
وإنَّ الشَّمالَ -لقربهِ مِن الله- مُزوَّدٌ بالملائكةِ،
وإنَّ أخي -الذي يصغرني بثمانيةِ أحزانٍ- لمْ يسرقْ سجائري يومًا،
وإنَّ قلبي لمْ يكُنْ مَكبًّا للهزائمِ والخياناتِ،
وإنَّ أصدقائي أشدُّ بياضًا مِن الإسفلتِ!
وإنَّ الحبَّ -بسببِ أهمِّيَّتِهِ لدى التُّعساءِ - قُصرى الطُّرقِ إلى الفِراشِ،
وإنَّني أغبطُ -والله- سياجَ المَقبرةِ؛
إذْ لا بَشَرٌ.
قولي:
إنَّني لمْ أعاشرْ بائعةَ الورودِ القاصرِ،
وإنَّني أقايضُ قصائدي بالنَّبيذِ،
وإنَّني قضيتُ وقتًا سيِّئًا في صيدِ السَّمكِ إمعانًا في طاعةِ والدي،
وإنَّ دُولاً (شريفةً) طبعتْ على مؤخِّرتي أحذيةَ العسسِ،
وإنَّني ارتديتُ بدلةً أنيقةً في زفافِ رجلٍ فظٍّ -لا أعرفهُ- فقط لأفتنَ عروسَهُ المثيرةَ،
وإنَّ الأجنحةَ غايةُ المصابينَ بالكُساحِ،
وإنَّ الشِّعرَ أسهلَ مِن التَّبوُّلِ اللاَّإراديِّ في إصابةِ غيرِ الصَّالحينَ مِن أمثالِنا،
وإنَّني مشيتُ -كالرُّومانسيينَ- تحتَ المطرِ لساعاتٍ؛ حتَّى أُصِبتُ بلوثةٍ في رئتيَّ...
ولم تحضر الخدينةُ!
وإنَّ القدرَ فكرةٌ أتلفتْ القُدرةَ،
وإنَّ الأشياءَ برُمِّتها محكومةٌ بالعبثِ.
حدِّثيهُم عن عشيقاتي اللَّواتي تفرَّسنَ بشغَبي... أو أردنني حصان تلقيحٍ،
حدِّثيهُم - أختَ القلقِ - عن الشَّقاءِ الخصبِ،
وكيفَ يبدو الخرابُ محفِّزًا على الأغاني الطِّوالِ،
وكيفَ أنَّ الصَّارمينَ وحدَهمْ سيموتونَ على أرضِ اليقينِ بلا شواهدَ تذكرهُمْ،
وكيف أنَّ الأنبياءَ كانوا عاشقينَ مَهَرَةً!
ضلِّلي جمهوريَ الكئيبَ،
وانتقِمي لجديلتكِ التي احتطبَها قلقي،
وانتحِري لأغفوَ فوقَ نهدِ حَبيبتي المتورِّمِ منذُ أمسِ!
(قفلة)
ثمَّةَ ما يكتَظُّ بيَ الآنَ محفِّزًا؛
كي أفصلَ رأسَكَ عن باقي جسدِكَ،
ثُمَّ نجلسُ نحنُ الثَّلاثةُ:
أنا أنتَ رأسُكَ...
نُغنِّي للخرابِ ساعةً،
لتعودَ بعدَها الأمورُ إلى طبيعتِها،
ونموتَ بشكلٍ مخيِّبٍ!