لي جارٌ كنتُ أُواسيهِ
من مالي دون الجيرانِ
مأواهُ إذا ما الليلُ أتَى
كوخٌ مصدوعُ الأركان
في يومٍ جئتُ لأنظرَه
وأراه بقلبٍ جذلان
فحزنْتُ لأني لم أرَهُ
ورَجَعت حليفَ الأشجان
ويئست من اللُّقيا حتى
مَوْتي، وتقضَّى عامان
وأنا أتولَّى البحثَ على
هذا المسكينِ الحيران
فتَّشتُ جميعَ مساجدِنا
وسألت جميعَ العُمْيان
حتى مَرَّتْ بي مركبةٌ
فيها يختالُ جوادان
ظلَّتْ تجري حتى وقفَتْ
قُدّامَ فخيمِ البنيان
قصرٌ قد حاطَ حديقتَه ال
فيحاءَ زنوجُ السودان
بصروا بالخيلِ وقد وقفَتْ
فتقدَّم منهم عبدان
أخذا بذراعَي راكبِها
فإذا بالجارِ الجَوْعان
فبُهتُّ لأمرٍ فاجأني
ما كان يدورُ بحُسبان
هذا جاري صار أميرًا
أو من أربابِ التِّيجان
ووقفتُ بعيدًا ألحَظُهم
حتى حُجبوا بالأغصان
فسأَلت العبدَ وقلت ألا
يا مَنْ يحسدُه القَمَران
قل لي من هذا المَلْكُ ولا
تكسرْ قلبي بالكتمان
فاغتاظَ أبوالبيضاءِ وقد
نادَى بجميعِ الحُبْشان
ب«سُرورٍ» ثم ب«مِرْسالٍ»
وب«ماسٍ» ثمَّ ب«مَرجان»
كلٌّ قد جرَّ هراوَتَه
كبْرًا كفَعال الشجعان
ففَرِقْتُ وقلت رويدَكُمُ
ما جئتُ لضربٍ وطِعان
لكن قد جئت أسائلُكم
عن صاحب هذا الإيوان
فأجاب كبيرُهمُ هذا
يُدعَى بفلانِ الفرّان
كنا نلقاه وكان له
ديكٌ والكوخُ وعَنْزان
قد باع الكلَّ وشاد بها
فرنًا كجميع الأفران
وأقام طويلاً مُجتزِئًا
بالقوت وخبزِ الرّغْفان
حتى قامت ذي الحربُ وقد
نشبَتْ بجميع البلدان
فأتَتْ قومًا بفوائدها
وأتت قومًا بالخُسران
فعجبتُ وقلت لمِرسالٍ
سبحان الله المنّان
عن كُنْه بدائع حكمتِه
عجَزَتْ أصحابُ الأذهان
لكنَّ القومَ لهم شكوى
في كلِّ زمانٍ ومكان
يدعون بوَيْلٍ وثُبورٍ
وغلاءِ وقودِ النيران
وأرى شكواهم كاذبةً
شِيبَتْ بصريح البُهتان
لو كان بكفّي أمرهمُ
لردَدْتُ الكلَّ بخُذلان
فلْيرضَ الخبّاز بهذا
ولْيَقلعْ عينَ الشيطان