تخطَّ إلى المحتوى

بدأت على درب الرحيل تنقلي

غير معروف

١٠٠ بيت

المتفرقات

بَدَأْتُ على دَرْبِ الرَّحِيلِ تَنَقُّلُي

أَمُرُّ عَلَى ذِكْرَى الدِّيَارِ، وَأَبْتَلِي

أُعِيدُ شَرِيطَ الذِّكْرَيَاتِ، وَوَهْمُهَا

يُطَارِدُ قَلْبِي في الطَّرِيقِ لِمَنْزِلِي

أُقَلِّبُ عَيْنِي في الْبُيُوتِ، لَعَلَّهَا

تُبَصِّرُنِي في تِيهِ لَيْلٍ مُلَيَّلِ(١)

أَطُوفُ عَلَى حُزْنِ الْأَمَاكِنِ بَعْدَمَا

تَوَارَتْ كَمَنْ يَمْشِي بِحَظْرِ تَجَوُّلِ(٢)

وأَمْشِي عَلَى حُلْمِ اللقَاءِ بِعَيْنِهَا

وأَبْقَى عَلَى وَعْدٍ لِوَهْمِ الْمُخَيَّلِ(٣)

أَرَى في كُهُوفِ الصَّمْتِ طَيْفَ خَيَالِهَا

وبَيْنَ خُفُوتِ الليْلِ تَضْوِي، وَتَنْجَلِي(٤)

ويَبْكِي عَليَّ الْعُمْرُ بَعْدَ نِهَايَتِي

دُمُوعَ انْكِسَارٍ فَوْقَ حَدِّ تَحَمُّلِي

أَمُوتُ بِبُطءٍ، وَالْمَرِيضُ غَرَامُنَا

وأَنْسَى بِفِعْلِ الْحُبِّ أَنِّيَ صَيْدَلِي

عَشِقْتُ، وَقَلْبِي في اغْتِرَابٍ لِأَجْلِهَا

ولَا أَمَلٌ في عِيشةِ الْمُتَبَتِّلِ(٥)

وتَدْعَمُ يَا قَلْبِي شَرِيكَكَ في الْهَوَى

بِضَعْفِكَ، هَلْ تَنْوِي الشُّرُوعَ بِمَقْتَلِي؟!

أَخَذْتَ لِوَاءَ الْحُبِّ، عَنِّي نِيَابَةً

وعَانَيْتُ في سِرِّي لِهَذا التَّدَخُّلِ

فَرَضْتَ عَلَيَّ الذُّلَّ عِنْدَ مَحَبَّتِي

ولَسْتَ لِدَوْرِي في الْهَوَى بِمُؤَهَّلِ

وضَحَّيْتَ يَا قَلْبِي بِكُلِّ مَصَالِحِي

ولَسْتَ بِأَهْلٍ لِلْنُهَى أَوْ مُخَوَّلِ(٦)

أَلَمْ نَتَّفِقْ يَوْمًا لِهَجْرِ حَيَاتِهَا؟!

ومَنْ قَالَ أَنْ تَلْتَاعَ دُونَ تَعَقُّلِ؟!

خَسِرْتَ لِأَنَّ الصِّدْقَ ضَاعَ زَمَانُهُ

ولَا شَيْءَ في الدُّنْيَا بِغَيْرِ مُعَرْقِلِ

ولَوْ كُنْتَ يَا مَنْ قَدْ غَدَرْتَ رَجَعْتَ لِي

لَلُذْتُ أَسًى بِالْعُذْرِ، أَوْ بِالتَّعَلُّلِ(٧)

ومَا قِيمَةُ الشَّكْوَى لِقَلْبٍ أَذَلَّنِي؟!

فَهَلْ عَادَ مَاءُ الْوَجْهِ بَعْدَ التَّذَلُّلِ؟

تَبَرَّأْتُ مِنْ قَلْبِي الشَّغُوفِ بِحُبِّهَا

وأَعْلَنْتُ مِنْ عَهْدِ الْوِصَالِ تَنَصُّلِي(٨)

وأَرْجِعُ أَدْرَاجِي، أَجُرُّ مَتَاعِبِي

وأَفْشَلُ مِنْ لِينِي، وَفَرْطِ تَسَهُّلِ(٩)

تَخَلَّصْتُ مِنْ حُزْنِي، مَنَعْتُ مَشَاعِرِي

ومَا زِلْتَ يَا قَلْبِي تَجُودُ بِمُشْكِلِ

أَخَذْتُ نَصيبي مِثْلَ مَنْ فَتَكْتْ بِهِمْ

ومَا كَانَ قَلْبِي عَنْ جَفَاهَا بِمَعْزِلِ(١٠)

حَصَدْتُ بُطُولَاتِ الْحَنِينِ، وَأَكَّدَتْ

دُمُوعِي لِأَدْوَارِ الْخِتَامِ تَأَهُّلِي

وخُضْتُ مُبَارَاةَ اعْتِزَالٍ لِحُبِّهَا

نَتِيجَتُهَا عَارٌ بِغَيْر تَعَدُّلِ(١١)

وبَعْدَ انْتِصَارِي، عُدْتُ أُعْلِنُ خَيْبَتِي

ومَا قِيمَةُ الْأَهْدَافِ بَعْدَ تَسَلُّلِ؟!

أَيَا مَنْ هَزَمْتَ الْحُبَّ شَرَّ هَزِيمَةٍ

كَفَاكَ احْتِفَالٌ؛ فَانْتِصَارُكَ مَرْحَلِي

تَمَهَّلْ بِمِشْوَارِ الْحَيَاةِ هُنيْهَةً

فَلَنْ تَبْلُغَ الْآفَاقَ دُونَ تَمَهُّلِ(١٢)

وبَعْضُ الْهَوَى بِالْكَادِ نَأْمَنُ غَدْرَهِ

وبَعْضٌ عَلَيْنَا قَدْ يُخِيلُ، وَيَنْطَلِي(١٣)

ورِحْلَةِ صَيْدٍ يَا أُسَامَةُ هَوَّنَتْ

عَلَيَّ بِأَوْقَاتِ الْفَرَاغِ تَمَلْمُلِي

تُجَمِّعُ في الْأَصْحَابِ بَعْدَ فِرَاقِهِمْ

تُقرِّبُ خُلَّانًا تُعِيدُ تَشَكُّلِي

نُغِيرُ عَلَى زَوْجِ الْأَرِيل، وَنَنْتَهِي

بِفَخٍّ عَلَى سَفْحِ التِّلَالِ، وَمِنْ عَلِ(١٤)

وأَصْحَابُ عُمْرِي في التِّلَالِ تَمَرْكَزُوا

بِمَوْقِعِ قَنْصٍ في السُّهُولِ مُبَدَّلِ(١٥)

وتَخْتَالُ غِزْلَانُ الْفَلَاةِ كَأَنَّهَا

تُرَغِّبُنَا في عُودِهَا الْمُتَمَيِّلِ(١٦)

تُراقبُنا مِنْ كُلِّ حَدْبٍ بِلَحْظِهَا

ومقلةِ عَيْنٍ مِثْلِ جَوْزَةِ قَسْطَلِ(١٧)

وتَمْرُقُ مِثْلَ السَّهْمِ بَيْنَ رُبُوعِهَا

وتَفْلِتُ مِنَّا كَالْبُرَاقِ الْمُهَرْوِلِ(١٨)

نَكُفُّ، فَتَنْسَانَا، وَقَدْ أَمِنَتْ، وَمَا

تَوَقَّتْ إِذَا مَا اسْتَرْوَحَتْ بِتَدَلُّلِ(١٩)

كَكَرِّ الْهُنُودِ الْحُمْرِ نَعْدُو وَرَاءَهَا

نُقِيمُ لَهَا رُعْبًا بِصَوْتٍ مُجَلْجِلِ(٢٠)

ونَدْفَعُهَا نَحْوَ الشِّرَاكِ كَأَنَّنَا

نُطَوِّقُ جَيْشًا مِنْ كَتَائِبِ (هِرْقِلِ)(٢١)

ونَرْسُمُ في قَلْبِ الرِّمَالِ حُدُودَهَا

كَمَا يَرْسُمُ التِّلْمِيذُ قَوْسًا (بِبَرْجَلِ)(٢٢)

فَلَاذَتْ بِقَاعٍ تَسْتَكِينُ بِحُفْرَةٍ

تَغَطَّتْ بِعُشْبٍ خَادِعٍ، وَمُضَلِّلِ(٢٣)

هَوَتْ مَا هَوَتْ فِي الْفَخِّ نَحْوَ شِبَاكِنَا

كَوْقْعِ أَسِيرٍ بِالْقُيُودِ مُكَبَّلِ(٢٤)

وتَسْنَحُ مِنْ بَعْدِ التَّمَلُّصِ فُرْصَةٌ

لَهَا نَحْوَ فَكِّ الْأَسْرِ كَالْمُتَسَلِّلِ(٢٥)

ونَسْطُو عَلَى مَا قَدْ يُطِيلُ حَيَاتَهَا

ونَطْعَنُهَا بِالْخَنْجَرِ الْمُتَوَغِّلِ

نِهَايَةُ مَنْ تَحْيَا بِسِحْرِ جَمَالِهَا

كَمُجْرِمِ حَرْبٍ في الْحِبَالِ مُجَدَّلِ(٢٦)

وكُلُّ رَقِيقٍ في الْحَيَاةِ تَمَامُهُ

فَنَاءٌ سَرِيعٌ كَالْمُصَابِ بِمَقْتَلِ

مُغَامَرَتِي خَلْفَ الْغَزَالِ كَأَنَّهَا

مُصَارَعَةُ الثِّيرَانِ عِنْدَ طُلَيْطِلِي(٢٧)

عَلَى الْأَرْضِ تَخْطُو في الظِّلَالِ يَمَامَةٌ

تُنَقِّبُ في الْكُثْبَانِ لَمْ (تَتَكَسَّلِ)(٢٨)

هَجَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْعَرَاءِ بِحُقْنةٍ

نَسُدُّ مَرَامِي قَرْنِهَا الْمُتَخَلِّلِ

ونَسْحَبُ أَجْزَاءَ الْمَحَاقِنِ نَحْوَهَا

فَتُصْبِحُ مِنْ ضَغْطِ الْهَوَا كَمُنَبِّلِ(٢٩)

وأَحْمِلُ لِلطَّيْرِ الْمُهَاجِرِ فَوْقَنَا

نَصِيبًا مِنْ الصَّيْدِ الْمُعَدِّ بِجَدْوَلِي

أُطَارِدُ فِي صَحْنِ السَّمَاءِ فَرَائِسِي

ومَا بَيْن عُشْبٍ، أَوْ بِجَانِبِ جَدْوَلِ

وأَسْفِكُ لِتْرَاتِ الدِّمَاءِ لِصَيْدِهَا

وهَلْ قَنْصُ أَهْدَافِي حَلَالٌ بِعُزَّلِ(٣٠)

وأَضْغَطُ أَطْرَافَ الزِّنَادِ كَأَنَّنِي

أُقْطِّعُ فِي وَقْتِ الْحَصَادِ بِمِنْجَلِ(٣١)

سِلَاحِي مَحَشِّي، وَالْفَرِيسَةُ زَرْعَتِي

وصَحْبِي سُقَاةٌ، وَالرَّصَاصُ كَسُنْبُلِ(٣٢)

وإِبْرَةُ ضَرْبِ النَّارِ فَاتَتْ مَكَانَهَا

وأَنْمُلَتِي صُلْبٌ كَطَوْدِ الْعَقَنْقَلِ(٣٣)

وتَسْقُطُ مِنْ جَوْفِ السَّمَاءِ غَنِيمَةٌ

بِخَرْطُوشِ فَرْدٍ لِلْإِصَابةِ مُذْهِلِ(٣٤)

رَصَاصٌ تَنَاءَى مِثْلَ حَبَّةِ فُلْفُلِ

كَسَهْمٍ لِأَسْرَابِ الطُّيُورِ مُغَرْبِلِ(٣٥)

ونُسْرِعُ فِي قَطْعِ الرِّقَابِ كَأَنَّنَا

نَدُقُّ عَلَى الْأَعْنَاقِ دَقًّا بِمِعْوَلِ(٣٦)

وبَعْدَ انْتِهَاءِ الصَّيْدِ نَطْهُو وَلِيمَةً

ومَأْدُبَةً بِاسْمِ (الْغَزَالِ المُبَجَّلِ)(٣٧)

نُعَلِّقُهَا لِلسَّلْخِ نَكْشِفُ ثَوْبَهَا

خَلَالَ فُرُوعِ الطَّلْحِ عِنْدَ التَّظَلُّلِ(٣٨)

ونُخْرِجُ أَحْشَاءَ الذَّبِيحَةِ بَعْدَمَا

قَضَتْ نَحْبَها جَرَّاءَ غَزْوَةِ هَيْضَلِ(٣٩)

نُعِدُّ لَهَا النِّيرَانَ نَبْتُرُ سَاقَهَا

نُقَدِّدُ بِالليْمُونِ عَصْرًا بِمُنْخُلِ(٤٠)

تَدُورُ بِعُودِ الْخَيْزَرَانِ كَأَنَّهَا

قُمَاشَةُ سَجَّادٍ تُحَاكُ بِمِغْزَلِ(٤١)

وفَوْقَ حَمِيمِ الْفَحْمِ فَاحَ نَسِيمُهَا

ويَسْرِي لُعَابِي مِنْ طَحِينٍ لِخَرْدَلِ(٤٢)

يَهُبُّ عَلَيْنَا لَفْحُ طِيبِ شِوَائِهَا

كَأَنَّكَ تَطْفُو في رَوَائِحِ صَنْدَلِ(٤٣)

تَمِيلُ مَجَسَّاتُ الْأُنُوفِ لَهَا كَمَا

يَمِيلُ لِإِكْلِيلِ الْجِبَالِ مُتَبَّلِي(٤٤)

تَرَى صَلْصَةَ الرَّيْحَانِ فِي ثَنَيَاتِهَا

وقِرْفَتَهَا مِنْ بَعْدِ مَزْجِ الْقَرَنْفُلِ(٤٥)

تُقَطِّرُ طَعْمًا لَا يُضَاهَى بِوَجْبَةٍ

نَسَائِرُ شَهْدٍ كَالنَّسِيجِ الْمُفتَّلِ(٤٦)

وتُمْتِعُنَا بَيْنَ التَّلَقُّمِ مَزَّةٌ

وهَلْ لَذَّ شَهْدُ اللحْمِ دُونَ مُخَلَّلِ(٤٧)

ونَرْوي بِكُوبِ الْمَاءِ طُولَ جَفَافِنَا

ونَلْهَمُ نَهْرًا مِنْ مُرَبَّى السَّفَرْجَلِ

ويَغْنَمُ كَلْبُ الْأَصْدِقَاءِ غَنِيمَةً

عِظَامَ ضَحَايَا الصَّيْدِ كَالْمُتَسَوِّلِ

وتَهْزِمُنَا عَدْوَى النُّعَاسِ كَأَنَّهَا

مُخدِّرُ بَنْجٍ شَلَّ مَعْظَمَ هَيْكَلِي

وبَعْدَ هُجُومِ الليْلِ نَشْرَبُ قَهْوَةً

مَرَارَتُهَا تَبْدُو كَلَذْعَةِ حَنْظَلِ(٤٨)

نُسَارِعُ في نَصْبِ الْخِيَامِ بِهِمَّةٍ

كَجَيْشٍ بِوَضْعٍ حَاكِمٍ مُتَبَسِّلِ(٤٩)

وأَذْكُرُ في وَقْتِ الصَّفَاءِ أَحِبَّتِي

وأَذْكُرُ خَيْرًا مَنْ يُتِيهُ، وَمُوصِلِي(٥٠)

أُسَافِرُ في لَيْلِ الْهُمُوم بِوَحْدَتِي

وأَعْرُجُ سِرًّا فِي الظَّلَامِ، وَأَخْتَلِي

وأَسْرَحُ فِي ضَوْءِ النُّجُومِ كَأَنَّهَا

لَآلِئُ أَصْدَافٍ بِشَكْلٍ تَخَيُّلِي

وتَنْتِشُرُ الْأَجْرَامُ بَيْنَ غُيُومِهَا

كَنَقْشٍ عَلَى طَرْفِ الْوِسَادَةِ مُخْمَلِي

ورُؤْيَةُ عَيْني لِلسَّدِيمِ تَدَاخَلَتْ

كَنَظْرَةِ جَفْنٍ بِالدُّمُوعِ مُكَحَّلِ(٥١)

ونَسْهَرُ حَوْلَ النَّارِ طَالَ كَلَامُنَا

وتَعْدو الثَّوَانِي بِالْحَدِيثِ الْمُطَوَّلِ

أُغَرِّدُ شِعْرَ الْأَوَّلِينَ بِمَجْلِسِي

بَدَأْتُ (بِقَيْسٍ)، وَانْتَهَيتُ (لِأَخْطَلِ)(٥٢)

وأَشْرَحُ بَعْضَ الْمُفْرَدَاتِ كَأَنَّنِي

مُتَرْجِمُ شِعْرٍ (لِابْنِ أُخْتِ الْمُهَلْهِلِ)(٥٣)

وكُلُّ قَدِيمٍ مِنْ فُنُونِ زَمَانِنَا

يُبَيَّنُ أَحْيَانًا بِشَرْحٍ مُفَصَّلِ

وقَدْ ظَهَرَتْ أَفْعَى مُقَرَّنَةٌ لَنَا

تَكِشُّ بِأَنْفَاقِ الرِّمَالِ لَهُمْ، وَلِي(٥٤)

فَقُمْتُ، وَوَدَّعْتُ الْخُمُولَ بِجِلْسَتِي

وقُلْتُ لِهُمْ: (فَلْتَهْرَبُوا بِتَمَهُّلِ)

وأَنْسَى بِلَحْظَاتِ الْهُرُوبِ جَرَاءَةً

وأَنْبُضُ خَوْفًا كَالْغَرِيقِ الْمُبَلَّلِ

تَذَكَّرْتُ يَأْسِي في الْهُرُوبِ، تُعِيقُنِي

شَرَائِحُ في عَظْمِي، وَشَرْخًا بِأَرْجُلِي

تَسَمَّرْتُ كَالْمِسْمَارِ أَدْرُسُ مَوْقِفِي

كَأَنَّ جَلِيدًا يَسْتَقِرُّ بِمَفْصِلِي

ويَنْتَحِرُ التَّفْكِيرُ عِنْدِي، وَتَخْتَفِي

شَجَاعَةُ نَفْسِي كَانْهِزَامٍ لِكُهَّلِ(٥٥)

وطَارَتْ عَلَيْنَا؛ فَارْتَعَدْنَا لِلَحْظَةٍ

وجَفَّتْ دِمَائِي، وَابْتَدَأْتُ تَحَوْقُلِي(٥٦)

فَبَخَّتْ نَقِيعُ السُّمِّ تَقْصِدُ كَلْبَنَا

ويَقْضِمُهَا مِنْ رَأْسِهَا الْمُتَطَفِّلِ(٥٧)

ويَدْنُو مِنَ النَّزْعِ الْأَخِيرِ بِحَسْرَةٍ

وما مِنْ دَوَاءٍ لِلَأَسَى الْمُتَحَمَّلِ

ويَسْوَدُّ لَوْنُ الْجِلْدِ حَوْلَ جِرَاحِهِ

يَئِنُّ بِصَوْتٍ في الْفَضَاءِ مُزَلْزِلِ

وأُشْفِقُ مَهْمُومًا عَلَى مَا أَصَابَهُ

ومَا قَدْ بَدَا مِنْ وَجْهِهِ الْمُتَحَوِّلِ

أَرَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ غَدْرًا سَرَتْ بِهِ

كَشَاحِبِ وَجْهٍ مُذْبَلٍ مُتَذَبِّلِ(٥٨)

ويُورِثُنِي مَا قَدْ يُمِيتُ عَزِيمَتِي

كَحَاضِنِ عَدْوَى لِلْجِرَاحِ مُنقِّلِ

أَنُوحُ عَلَى الْكَلْبِ الْفَقِيدِ كَأَنَّنِي

مَشَيْتُ عَلَى جَمْرٍ أَنُوحُ، وَأَصْطَلِي(٥٩)

وأَنْظُرُ حَوْلِي كَيْ أُغَادِرَ مَوْقِعِي

رَأَيْتُ رِفَاقِي كَالْبُخَارِ بِمِرْجَلِ(٦٠)

أَقُولُ لَهُمْ: (الْآنَ حَصْحَصَ زَيْفُكُمْ

ولَوْمِي عَلَيْكُمْ يَوْمَ تَرْكٍ لمَعْقِلي)(٦١)

فَرَدَّ صَدِيقٌ: (كُنْتَ مِثْلي مُهَرْوِلًا)

فَقُلْتُ: (عَلَى إِثْرِ انْفِرَاطِ تَكَتُّلِي(٦٢)

فَإِنَّ كَلَابَ الْحَيِّ أَوْفَي بِطَبْعِهَا

كَفَاعِلِ خَيْرٍ بِالْفَضَائِلِ مُثْقَلِ)(٦٣)