كفى القلبَ حزنا أن أمي بعيدة
تموت بصقع ليس داراً وموئلا
تموت وفي أنفاسها شوق بيتها
وقد ألفته العمرَ حِصنا مكملا
وقد خرجت ترجو الحياةَ فما رأت
سوى الموتِ يسعى نحوها متعجلا
تقول له مهلا فداري قصيةٌ
وأهليَ أرجوهم حضوراً مبجلا
فدعني أمُت في بيت أهلي لعلني
تنال بهم نفسي أماناً على البِلى
ولكنه الموت الذي لا يهمه
بأي بلاد مات من قد ترحلا
فجيء بها محمولةً في لُفافةٍ
تقيدها الأكفان أيدٍ وأرجلا
فماتت وفي حسبانها بيت أهلها
ولكن قبرا في الخلا صار معقلا
فأميَ قد ماتت على كل حزنها
وشوق لأبناء لها شق كلكلا
فأختاكِ يا أماه بؤسٌ وحيرةٌ
وبنتاكِ صدر بالدجى صار مِرجَلا
وابناك يا أماه مثلا سحابة
أطافت بحزن تمطر الدمع وابِلا
ومن قبرِكِ الميمونِ حزن مخيم
به أخواكِ الدهرَ شاداه مَنزِلا
فيا أمَّ قلبي إنما فيضُ حزننا
يرود غفاراً دونها طأطأ الخلا
ويا موت قد غيبت أماً رحيمة
وأزهقت نفساً قِمةَ الطهر والعلا
فإن عز جسم إنما الطيف ماثل
يسوقُ خيالاً من رؤى الروع مقبلا
فطيفك يا أماه روحٌ مقيمةٌ
فهل سيموت الطيف لا ثم ألفُ لا
يهدهد فينا كل قلب مجرح
وينكأ أكبادا وصدرا مكبلا
ولكنما هل يعدل الطيفٌ رسمَها
فأميَ أنقى من مشى أو تنقلا
بموتِكِ يا أماه طابت حتوفنا
وطاب ممات قد تخذتيهِ مَدخلا
فإما أقمنا العمرَ بَعدَكِ ساعةً
فشوقاً إلى لقياك يوماً مؤجلا
ليكرمنا الرحمن في ظل عرشه
نقيم معا روحاً وقلباً وهيكلا