كأسُ المنيَّةِ في البريَّةِ مترعُ
يدعو بني الدُّنيا هلمُّوا فاجْرعُوا
لا بدَّ من شربي فلا مالٌ يقي
منِّي ولا حصنٌ حصينٌ يمنع
أبني الزَّمان من التُّرابِ نشأتمُ
فإلى أصولكمُ ارجعوا ثمّ ارجعوا
أحسبتمُ الأيّامَ أكلةَ آكلٍ
وأمالَكم جشعٌ ولمّا تشبعوا
فغدوتمُ هذا يمالئ ذا وذا
يغتالُ ذا ظلمًا وذا ذا يخدع
ولقد سكنتم في مساكنِ مَنْ مضى
كانوا يروْنَ كما تروْنَ «ويسمعوا»
كم عمَّروا فكأنَّهم ما عمَّروا
أو جمَّعوا فكأنّهم ما جمَّعوا
صاح المنونُ بهم فلم يتمكَّنوا
من دفع صيحتِه ولبَّوْا مذ دُعُوا
فتزوَّدوا فالموتُ يحدوكم على
عجلٍ ودنياكم خرابٌ بلقع
منها خلقناكم وسوف نعيدُكم
فيها ونخرجُكم فعُوا أو لا تَعُوا
ولقد تصفَّحتُ الزَّمان وأهلَه
وعلمتُ منه ما يضرُّ وينفع
ولكَمْ رمى بي صرفُه من حالقٍ
ولكم سقاني منه سمٌّ مُنقع
ولكم غزتني النائباتُ وأفرغت
ما في كنانتِها ولا أتزعزع
حتى رأيتُك يا بُنَيَّ تجودُ لا
تسطيعُ إسماعي ولكنْ تسمع
قبض المنونُ على لسانك فانتضى
منه البيانَ وناب عنه المدمع
وتجيلُ طرفَك بي كأنَّك قائلٌ
إنّ الحشا يا والدي يتقطَّع
فهناك لا جَلَدي ملكتُ وإن أكن
جلْدًا ففيك الصَّبرُ أنفٌ أجدع
هيهات ما جزعي عليك بنافعي
والموتُ لا يُلوي على من يجزع
ضاقت بك الدُّنيا فلمَّا استمسكت
حلقاتُها عُوِّضْتَ ما هو أوسع
لا خيرَ بعدَك في الحياةِ فإنَّها
غصصٌ تدومُ وغلَّةٌ لا تُنقَع
أبُنَيَّ إنّ الموتَ لا يُبقي على
أحدٍ به حكَم الحكيمُ المبدع
أبنيَّ داءُ الموت إن وافى فلا
طبٌّ يفيدُ ولا دواءٌ ينجَع
جاورتَ ربَّك راضيًا فلك الهنا
ولي الشَّقاءُ بثوبه أتلفَّع