أيّامُ عمري لها في القلبِ أصداءُ
تُدمي العيونَ وفيها الأهلُ أشلاءُ
أيّامُ عمري كنجمٍ لاحَ في سَحَر
يعلو مضيئًا وعند الفجر أنباءُ
تجري كما الأرض لم أشعرْ بدورتها
والليل يعقبه صبحٌ وأضواءُ
تجري كومضٍ بيوم اليمْنِ نائية
والليلُ دهرٌ إذا أعياني الداءُ
تمضي الحياةُ كإنّ العمر قاطرةٌ
والناسُ موتى ومَنْ في القبر أحياءُ
فتّحتُ عيني بجسمٍ بات معتقلي
والروحُ في الجسمِ ألوانٌ وأسماءُ
أيّام عمري بحضنِ الأمّ مملكة
فيها النعيم وفيها الصدرُ أرواءُ
عند الطفولةِ كانت غايتي لُعبي
والبالُ يشغله درسٌ وإنشاءُ
لا همّ فيها ولا حزنا يكابدني
والليلُ يدركني والحلمُ أضواءُ
لمّا بلغتُ وجدتُ النفسَ هائمةً
في كلّ وادٍ كإنّ الدهرَ أهواءُ
أحلامُ بِكرٍ وأفكارٌ موزعة
والذهنُ تملكه في الليلِ حواءُ
لمّا كبرتُ رأيتُ العيشَ مُعتركاً
فيه الشقاءُ وطبعُ الناس حرباءُ
لا يُشبع الجوفَ أنواع الطعام ولا
تُغني النفوسَ عن الأطماع آلاءُ
حربٌ مع الناس بين الناس مفزعة
والحقدُ في القلب والبسْماتُ صفراءُ
جمعًا تراهم كإنّ الحبّ يجمعهم
لكن قلوبُهمُ غلّ وبغضاءُ
يخفون حرباً دوت في نارها التهبوا
لم تبقَ فيها من الأخلاق علياءُ
لا يسأمون منَ الدنيا وإن بلغوا
في العمر ألفاً وصاب الجسمَ إعياءُ
فالجنسُ والمالُ والسلطانُ ديدنهم
والكذبُ والفسقُ ما قالوا وما شاءوا
جرّبتُ فيها صنوفَ الناسِ قاطبة
ما عادَ فيها من الأخيار أبناءُ
ما عادَ فيها أمينٌ أو ذَوُو خُلق
والجمّ فيها مع الإخلاص أعداءُ
عشتُ السنين وأحلى العمر مُرتحِلا
بين العواصم والأوجاعُ بكماءُ
بعد الفراق لمست النفسَ تائهة
من دون أهلٍ فهم للروح إثراءُ
فكلُّ عيشٍ بدون الدارِ مضْيعة
وكلُّ دارٍ بدون الأهلِ ظلماءُ
روحي كطيرٍ وهجر الأهل قيّدني
والأهلُ وسعٌ وسقفُ الدار أجواءُ
حُلمي يظلّ سراباً حين أقربه
والعمرُ حتّى مع الآمال بيداءُ
حولي النعيم وكفي لا يطاوله
كالنوق عطشى وفي أحمَالها الماءُ
ما الدهر إلّا كموجٍ في تقلّبه
يومًا يسرّ وبعض الدهر ضرّاءُ
لا تعجبّن إذا الأشرارُ قد ملكوا
مالاً وجاهاً وفي الأخدارِ حسناءُ
أهل المفاسدِ في يأسٍ وفي هلعٍ
إن نالهمْ عوزٌ أو نالهمُ داءُ
لكنّ أهل الهدى والدين خطبهمُ
عند المصائبِ مرضاةٌ وسرّاءُ
ما باتَ ليلاً تقيٌّ دون فاجعةٍ
وما تناءت عن الأبرارِ أرزاءُ
لن يُعرف المرءُ إلّا بعد تجربة
فيها التعامل أموال وآراءُ
ما قيمة الفرض والأعمال فاسدة
مثل الصلاة بدون الزهْد بتراءُ
كالأرض خصب حياة الخلقِ مزهرة
لكنّها من فعال الناس جرداءُ
للعيش يكفي رغيفُ الخبز في سكنٍ
والملحُ والماءُ والجلبابُ نعماءُ
ما كنت أحيا وسوط الموجعات دم
إلّا بصبر به الآمال فيحاءُ
لولا الكريم لعشتُ النائبات كمن
لهفًا تُعانقهُ بالحتف هيجاءُ
لا للتشائم لا لليأس في ورقي
بل كان فيها إلى الآلامِ إيفاءُ
لا يُعرفُ السعدُ إلّا بعد ضائقة
فالسعدُ روضٌ وحول الروضِ معزاءُ
نفسي تنازعُ عند العسر مُوقنةً
يسران حولي إذا تشتدّ رملاءُ