هو الدهر لا تنفكّ تترى عجائبُهْ
وتنشب في هذا الأنام مخالبُهْ
إذا راع منه جانبٌ في ملمِّةٍ
أتاح لأخرى في الملمّات جانبه
ترانا به في كل فجٍّ ووجهةٍ
يطالبنا في العزم مَن لا نطالبه
ويوردنا شتّى على غير موعدٍ
وتحدو بنا في كل يومٍ نجائبه
مواردَ شتّى ما لها من مصادرٍ
ووَخْدًا عنيفًا لا تكلّ ركائبه
يُراح بنا في كل يومٍ ويُغتدَى
ويوقرنا بالعتْب من لا نعاتبه
تصاريفُ دهرٍ ليس ينفكّ صرْفها
تدبّ إلينا بالسمام عقاربه
سلِ الدهر من أردَتْ فوادحُ خطبه
وأيّ تلاعِ المجد دَكّت نوائبه؟
وأيَّ فتًى للمجد روّع صرفُه؟
وأيَّ حسامٍ منه فُلّت مضاربه؟
بلى غال ذا المجدِ التليد ومن سمتْ
به للعلا أفعاله ومناقبه
محمدَ ربَّ المجد والحلم والتقى
وربَّ الندى إن ضنَّ بالغيث ساكبه
عهدناه لا يلوي على الضيم جانبًا
فوا عجبا لِمْ لان للخطب جانبه؟
ولكنه وافاه ملتمسًا جِدّاً
فجاد عليه بالذي هو طالبه
ولو جاءه من غير ما جاءه به
لآبَ بخُسرٍ وانثنى وهو راهبه
فقدناه غوثًا للضعيف وملجأً
وغيثًا على العافين تهمي مواهبه
مضى طاهرًا ما دنَّس القومُ عِرضَه
إلى الخلد بالتقوى تسير ركائبه
ومن كانتِ التقوى حقيبةَ رحله
فخيرُ حقاب السَّفْر طرًا حقائبه
هو الناسك الأواه والعابد الذي
له شهدت آياته ومحاربه
إذا جنَّه الليلُ البهيم فإنه
سميعُ مِجنٍّ أحمر الدمع ناضبه
وإن رتَّل الذِّكرَ المبين تكشّفت
له من سِجاف الحُجب ما الغيبُ حاجبه
فدًا لك محمولاً على النعش حاملاً
ومنتدبًا في العالمين نوادبه
وملتحدًا وارت صحائف لحده
من الجود بحرًا جلَّ عمّن يناسبه
عزاءً حميدًا يا حميدُ فإنه
هو الدهر لا تصفو لحيٍّ مشاربه
وصبرًا جميلاً يا هُدِيتَ فإنه
هو الصبر تحلو للكرام عواقبه
وما غاب من أبقاك شمسَ هلاله
لباغٍ هُدًى سُدَّت عليه مذاهبه
وطودَ علاً قد شدّ أطنابَ مجده
بهام الثريا حيث تُبنى مضاربه
فلا زلتَ سبّاقًا إلى كل غايةٍ
بفكرٍ يُجلِّي دامسَ الأمر ثاقبه