حننتُ فأشجتني على البعد حَنَّةٌ
يُصعِّدها داعي الهوى ويثيرها
إلى النجف الأعلى وما ضمّ سوره
وكثبان رملٍ فاح نشرًا عبيرها
وما ذكرتْ نفسي مع الصحب وقفةً
بواديك إلا واستشاط زفيرها
هو الحب والنفس الألوف فإن تجد
أخا صبوةٍ فالحب منها أميرها
تجلّى على عرشٍ من النفس واستوى
فذلّ له وهو الجموح قديرها
له النهي والأمر المطاع كلاهما
ومنه تقاها لو درتْ وفجورها
جنودٌ وأعوانٌ مثلنَ ببابه
فيرسلها طورًا وطورًا يجيرها
فإن هلكت تهلكْ عليه وربما
تكون حياةُ النفس فيما يضيرها
أعاذلتي ما أعذبَ الحبَّ والهوى!
وهل يعرف اللذاتِ إلا سميرها؟
وراءك عني فاتَكِ القصدُ إنما
يهيج كبيراتِ الأمور صغيرها
إذا ما تجلّى القصد للمرء لم يكن
ليثنيه منها لومُها ونكيرها
بلوتُ بني الأيام حتى خبرتها
وهل يعرف الأيام إلا خبيرها؟
تُقرّ على خسفٍ لمن عزّ جانبًا
وإن تكنِ الأخرى يهرُّ هريرها
إذا أحكمت عَقْدًا ثنتها لنقضه
يدٌ لم يكن لله يُلوى مريرها
دعِ الرَّنقَ وِردًا واقصدِ الصفو إنما
يسوغ لرواد الورود نميرها
فما رنّقَ الأخلاق إلا قذورها
ولا راق في الأمواه إلا طهورها
سلاف دنانٍ نحتسيها تَعلّلاً
وليس لدينا كأسها ومريرها
فسُكْرٌ ولا خمرٌ ولكنما الهوى
يسكّعها في وهده لا نثيرها
أمختطرًا والليلُ داجٍ ألا أرحْ
قلاصَك لا يأتي عليه مَسيرها
فما الليلُ والبيداء إلا مجاهلٌ
تضلّ به عِقبانها ونُسورها
إلى العلم في كوفانَ يا ناقُ فاجنحي
مخافةَ أن تأتي عليها فريرها
تعاميت عن نهج الهداة فهذه
بكوفانَ أنوارٌ لمن يستنيرها
وللمنهج العصريّ تنحين ضِلّةً
ومنه استوى عصريُّها وعصيرها
أللعصر فضل السبق حتى حدا بها
إليه انتسابًا جهلها وغرورها؟
إذا قيل عصريٌّ ولا شيءَ شَدَّها
سوى هذه مما يعدّ فخورها
تتيه على الأفلاك قدرًا ورفعةً
وينحطّ عنها قطبها وأثيرها
رأت أنَّ عين العصر عين حياتها
فكان لها إدلاجها وبكورها
أأبناءَها والفرعُ يتبع أصله
ومنكم وفيكم ظلّها وحَرورها
رويدًا فليس السبق للعصر والذي
له السبق يُعزى فضلها لا عصورها
أأبناءها واليوم قَرٌّ وفي غدٍ
سيغشاك مما تكسبين سعيرها
وما سوّد التأريخَ إلا صحائفٌ
أضلّهمُ ما سطَّرته سُطورها