مرّتْ بكَ الأجيالُ جيلاً جيلا
وبقيتَ تزخر في الحياة جميلا
من أيّ عهدٍ أنتَ باقٍ هاهنا
في حيّنا لا تعرفُ التبديلا
قد كنتَ طوداً شامخاً فيما مضى
وبشاطئ الدأماءِ كنتَ نزيلا
وعليكَ سلّطَ سُرجَه في قسوةٍ
زمنُ الشتاءِ ولم يدعْكَ قليلا
حتى هوى جثمانُكَ الصّلبُ الذي
أجزاؤه قد حُلّلتْ تحليلا
وانسابَ في الأرجاء رملاً ناعماً
ملأ المغاني عرضَها والطولا
وأتتْ به الأرياحُ تسحبه إلى
هذا الحِمى وبه تجرّ ذيولا
وتلاقتِ الأجزاءُ بعد تَفرّقٍ
فكأنما لاقى الخليلُ خليلا
واخترتَ مأواكَ الذي استحسنتَه
طولَ الحياةِ ولم تكن مسؤولا
وأخذتَ وضعاً كالهلال إذا بدا
في أفقه بين النجوم نحيلا
أو قوسِ عنترةٍ رمى بسهامهِ
جيشَ العدا فأباده تقتيلا
أو حاجبٍ من غادةٍ تزهو بهِ
جذلى وتحمي طرفَها المكحولا
أو قوسِ نصرٍ قد أقيمَ لحفلةٍ
يُدعى إليها من يريد دخولا
أو منجلٍ من أخلصِ الذهبِ الذي
هو في الوجود أعزّ شيءٍ نِيلا
ولبستَ من صنع الطبيعةِ حُلّةً
خضراءَ فصّلها الحَيا تفصيلا
من عوسجٍ صيغتْ ومن رثمٍ ومن
أثلٍ له ظلٌّ أراه ظليلا
وتشابكتْ أغصانُها وتعانقتْ
وفروعُها قد ذُللِّتْ تذليلا
ما أنتَ إلا روضةٌ فينانةٌ
يأتي إليها من يروم مَقيلا
وبسفحكَ اصطفّ النخيلُ كأنها
جندٌ ولكنْ لا تودّ رحيلا
أو أنها الغاداتُ جئنَ لحفلةٍ
ليُجِدْنَ فيها الرقصَ والتمثيلا
من كلِّ باسقةٍ تتيه بقَدّها
ولنا تُقدّم أكلَها المعسولا
والطيرُ فيها نَسّقت أعشاشَها
وبها أقامتْ بكرةً وأصيلا
وترنَمتْ فيها بعذب لحونها
وتُعيدها نغماً بها موصولا
وبكتْ على فقد الهديلِ بناتُهُ
فيها وزدنَ على البكاء عويلا
قد كان فرخاً للحمام مدلّلاً
يهوى بأن يبقى لهنَّ زميلا
قد صاده من عهد نوحٍ جارحٌ
من جنسه قاسٍ فخرّ قتيلا
كلُّ الحمائمِ من عهودٍ قد مضتْ
يبكينَه حزناً عليه طويلا
هذا الوفاءُ من الحمائم رائعٌ
وعن «المعري» جاءنا منقولا
وإليكَ يرنو البحرُ من «رومايةٍ»
ونسيمُه يأتي إليكَ عليلا
ويراكَ من بُعدٍ تتيه بهامةٍ
يحكي السّحابَ علوُّها تطفيلا
ويودّ أن يسعى إليكَ بموجهِ
لكنه لا يستطيع وصولا
صدّتهْ عنكَ جِبالُه الشمُّ التي
بوجودها لا يبلغ المأمولا
قد كنتما صِنوين من عهدٍ مضى
لا تعرفان إلى الفراق سبيلا