لم يكن في المدينةِ ما يكفي
من الانتباه
لكي تلاحظَ أن الأشياءَ تغيّرت
لكنها تغيّرت...
الأبوابُ
صارت تقفُ نصفَ وقفةٍ
كأنها تنتظرُ يدًا لا تُخطئُ الاتجاه
وتتدربُ على الانفتاحِ ببطء
كلما مرّ ظلُّها
ارتجفتْ مفاصلُ الخشب
واعتذرتْ عن صريرها القديم
المقاعدُ في الحدائق
تركت وحدتها المعتادة
وأصبحت تميلُ قليلاً نحو بعضها
كأنها تتبادلُ أسرارًا
عن امرأةٍ
علّمت الفراغَ كيف يكون ممتلئًا
الهواءُ
لم يعد مجرد هواء
صار ساعي بريدٍ مرتبك
يحمل رائحتها
وينسى إلى أين يذهب
ثم يعود إليها دائمًا
كأن الاتجاه الوحيد في الكون
هو ها هي
حتى الغبارُ
الذي كان يتسكعُ بلا هدف
أصبح منظّمًا فجأة
يرتبُ نفسه في دوائر صغيرة
كلما مشت
كأن الأرضَ تخجلُ من فوضاها أمامها
في المساء
تتغيرُ قوانين الضوء
تصيرُ المصابيحُ أقلَّ جرأة
وتنخفضُ أصواتها
كأنها تخاف أن تضيء أكثر مما يجب
فتكشف سرَّ ذلك المرور
الليلُ نفسه
لم يعد مظلمًا بالكامل
صار يفتح عيونًا صغيرة من النجوم
يتلصصُ من خلالها
على امرأةٍ
تجعل العتمةَ تتعلّم الاحترام
وفي البيت
الأشياءُ الصغيرة
تعيشُ حياتها الخاصة
المفتاحُ
يتدرّب على الرجفة
كلما اقتربتْ يدُها من الباب
والسجادةُ
تتظاهر بالاستقامة
لكنها في الحقيقة
تنحني كأنها تصلي
الفنجانُ
يحفظُ شكل شفتيها
ولا يغسل أثره
كأن الطينَ الذي صُنع منه
أقسم أن يبقى ذاكرةً دافئة
لا تُمحى بالماء
الملحُ
في المطبخ
يبدو أكثر بياضًا من المعتاد
كأنه فقد ملوحته من شدة التفكير
والسكرُ
يذوب دون أن يُلمس
كلما مرّ طيفها
كأن الأشياء الحلوة
لا تحتاج سببًا لتنهار
الكتبُ على الرف
لم تعد ساكنة
كل عنوانٍ منها
ينظر إلى الآخر
كأنها تتشاور:
أيُّنا قرأها أكثر؟
أيُّنا اقترب منها أكثر دون أن يُلاحظ؟
وفي الزوايا
تتجمع الظلال
كجماعةٍ سرّية
تتبادل الأخبار عنها
ثم تتفرق بسرعة
حين تسمع وقع خطاها
كأنها خائفة من انكشاف العشق
لكن الأعجب...
أن الوقت نفسه
بدأ يفقد مهنته
الساعاتُ
تتأخرُ عن نفسها
والدقائقُ
تنسى ترتيبها
والثواني
تتوقف أحيانًا
لتلتفت
كأن الزمنَ كله
أصبح متفرغًا
لمراقبة شيء واحد فقط
لا يجرؤ على تسميته
وفي الخارج
تتغير الخرائط
الطرقُ التي كانت مستقيمة
بدأت تميلُ نحو جهةٍ واحدة
كأنها عرفت أخيرًا
أن الاتجاه ليس الشمال ولا الجنوب
بل ذلك المرور الخفيف
الذي يربك الأرض
الأشجارُ
لم تعد تنمو عموديًا تمامًا
صارت تميل قليلاً
كأنها تحاول الاقتراب أكثر
من فكرةٍ تمشي على الأرض
والنهرُ
الذي كان يعرف طريقه جيدًا
بدأ يتلعثم
يتوقف أحيانًا
كأنه ينتظر أن يراها على الضفة
ثم يواصل الجريان بخجل
حتى الجبالُ
التي لا تتغير عادة
بدت أقل صلابة
كأنها تفكر
أن الصلابة لا معنى لها
إذا مرّ الحنان من هنا
وفي لحظةٍ لا تُحسب
حدث ما يشبه الانكسار الجميل
كل شيء
في المدينة
توقف عن كونه جمادًا
أو طبيعةً
وصار شيئًا ثالثًا
لا اسم له
شيءٌ يشبه الترقّب
يشبه الانتباه
يشبه أن العالم
فتح عينيه لأول مرة
ثم ظهرت...
لا كخطوة
بل كتحوّلٍ في المعنى
كأن الضوء قرر أن يتجسد
ويجرب المشي
لم تلمس شيئًا
لكن الأشياء
بدأت تتصرف كأنها لُمست
لم تتكلم
لكن الصمت
أصبح أفصح من الكلام
والهواء
انحنى
ليس كاحترام
بل كاعتراف
بأن شيئًا أكبر من اللغة
قد مرّ الآن
وفي الليل الأخير
قبل أن يكتمل الإدراك
وقفت المدينة كلها
ككائنٍ واحدٍ متوتر
المصابيحُ
تلتفت نحو بعضها
كأنها تنتظر تفسيرًا
الأبوابُ
تتساءل بصمت:
هل نُفتح الآن أم نبقى حلمًا؟
الطرقاتُ
تكتب نهاياتها بنفسها
وتمسحها فورًا
كأنها تخشى أن تُفهم خطأ
والنجوم
تقترب قليلاً
كأنها تريد أن ترى
ما الذي يجعل الأرض
بهذا القدر من الارتباك الجميل
ثم يحدث الهدوء
ليس هدوء السكون
بل هدوء الفهم المتأخر
حين تدرك الأشياء
أنها كانت طوال الوقت
تتجه نحو معنى واحد
دون أن تعرف اسمه
ومع ذلك...
يبقى الاسم غير مُعلن
يبقى بلا تعريف
كأن اللغة نفسها
تخجل من الاقتراب أكثر
لكن كل شيء يعرف
أن هناك مرورًا واحدًا
يكفي ليجعل الحجر حيًّا
ويجعل الوقت متلعثمًا
ويجعل الكون كله
ينحني
دون أن يُطلب منه ذلك
أبدآ.