تخطَّ إلى المحتوى

أبيت في صنعاء والسهم بين جوانحي

البسيط

٧٦ بيت

المتفرقات

أبيتُ في صنعاء، والسهم بين جوانحي

غائر في العمق لا يبرح، وبالتأنيب يؤذيني.

أطوف سيرًا على الأقدام بلا أملٍ،

ولا ربّك بحافلٍ إن لم أجد سقفًا ليحميني.

جئتُ من بغداد، من بلد جَزَر الطغاة،

جاروا وعاثوا، ولم تنصف، ولا وازع، ولا دين.

هجرتها عندما ضاق الفضاء وزاد الكرب،

وما لي بها، ولو سقفٌ من الأنواء يأويني.

فإذا الأراضي اقفرت، والسموات احجمت،

والغمائم هاجرت، والجياع تكثر بالملايين،

تبخرت آمال الجموع، واحبطت الطموحات،

وتنزح الجموع كل يوم بالمئات.

وما تصاريف النائبات علينا حكراً،

فكل مصاب على مر الحوادث متبوع باللين.

نائي عن الأهل والأصحاب في بلدي،

فلا مشفق يواسيني، ولا بها خلٌّ يناديني.

تسول النفس أن المعالي دان قطوفها،

فقلتُ: وهل من حادثات اليوم تثنيني؟

أحدق في محيا الناس عن عبثٍ، لعلي

أرى من بغداد اليوم طيفًا بأخبار يوافيني.

قتيل الأماني والعلياء لن يهدأ لي بال،

فديار الشرق طاردة، وما وسعت لتأويني.

تسائلني النفس عن مغزى الوجد هنا،

فلا فضل لمن لا يرتقي بالأصحاب والأهلين.

أصيح في وحشة الظلماء من سقمي،

لعل سفين من الأبعاد يسمعني، فينجيني.

شردت في عرض الأبحار مركبتي،

وضلّ بها الربان إذ غرقت فيها دواويني.

أقول والأسى ما زال في الأضلاع يبرحني،

هل بها من غائث يسمع نداءاتي وينجيني؟

خشيت أن تخطف الأقدار راحلتي بكري،

وما رفّت على عليا المراتب يومًا جناحيني.

فإن قضيت دون المكارم والعلا، أقول:

للنائحات لله درها بما عساها اليوم ترثيني.

لا تُلقّني مكارم الأخلاق من شرف ما نلته،

وآلام النوى في الأحشاء تقطعني وتؤذيني.

أعاذلي كف الملامة والتقريع عني،

وشمر عن ذراعيك، وها الكأس، فاسقيني.

كأس المعالي، الذي ما شربت زلاله،

يغريني، وحال ردع النائبات بقسوة دوني.

أتراني في أواسط الصحراء أضمى فقد،

جفت عروقي وماتت من الهجر شراييني.

يقول أبي: من أين هذا الصبر؟ جئت به، هلا

رجعت لي، فالبعد الذي أضناك يضنيني.

يقول: من لي إذا حل القضاء وحانت منّيتي؟

ففي بعدك من ذا الذي بذاك اليوم ينعيني؟

تشوقت بالوجد بعد أن طوح النوى،

فلا مالٌ، ولا رتب، عن الأهلين تغنيني.

كالضيغم المطعون في ساحة الوغى،

من ذا الذي هذا اليوم يدنو كي يداويني؟

أبيتُ ولا تغمض لي الأجفان من ألم،

وعاذلي في سنة من نوم عاجز أن يداويني.

إنا ظمآن في وهج الهجيرة وأنت ترقبني،

تصف لي الزلال، وما من رشفة فيها تسقيني.

هجرت الدار والأهل والأصحاب، أطلب

منقبةً تكاد بها المنية في كل يوم توافيني.

هذه الديار ديار الله موحشة، ولا أنيس بها،

شح فيها الأصحاب، وما بها من خلٍّ يواسيني.

أراقب جموع الطير في الآفاق سابحة،

طربت بجمعها، كأنها جاءت لتسليني.

أين هي الأحلام في سنة النوم مني؟ عسى

أن أرى منكم في الأحلام خيالًا به تكتحل عيني.

يأست، وأطلقت العنان لمهرتي بالصبر،

والأقدام على مر السنون، ولا اختلت موازيني.

عسى الأقدار تناسني، وتهملني، وتمهلني،

بعض السنين، لأسري طليقًا إلى نبع ليرويني.

فلنفسٍ أبية ترنو إلى العلياء مرتبةً،

سارت بها الأقدام، وما ارتدت عناويني.

حسبي الله ونعم به يرق لحال مغترب،

يفرّج عني، وليته من شقاء الدهر يشفيني.

فإن أموت أكن شهيد السابغات في العلا،

وإن ظفرت فمحمود بين الناس والأهلين.

فتى يرفل زاهيًا بالفخار، وفي النهى،

وله يد بيضاء تسدي النصيحة والندى للأكرمين.

أقول، ويسعر لهيب الشوق في كبدي:

بإذن الله، في قادم الأيام ألقاكم وتلقونِ