يَا لَخَوْدٍ تَمَلَّكتْ قَلْبَ عَاشِقْ
أَضْرَمَتْ في الْمُحبِّ نَارَ الْحَرَائِقْ(١)
أَوْقَعَتْ قَلْبَ مُغرَمٍ في هَوَاهَا
ذَوَّبتْ رُوحَ هَائِمٍ في دَقَائِقْ
جَذَبَتْ في مَدَارِها كُلَّ قَلْبٍ
فَتَنَتْ في الْهَوَى نُفُوسَ الْخَلائِقْ
قَدْ غَوَتْ بِالْجَمَالِ كُلَّ تَقِيٍّ
أَوْقَعَتْ في غَرَامِهَا كُلَّ رَامِقْ(٢)
سَبَقتْ مِنْ بَهَائِهَا حُورَ عِينٍ
نُورُهَا في دُجُنَّةِ الليْلِ بَارِقْ(٣)
عَيْنُها قِبْلَةٌ لِكُلِّ مُريدٍ
ومَلَاذٌ لَهُ الْمُتَيَّمُ تَائِقْ
هِيَ فرْدَوْسُ عَاشِقٍ، ونَعيمٌ
رَوْضَةٌ في الْهُيَامِ، وَالْخَدُّ وَارِقْ(٤)
يَرْتَوِي مِنْ مَلاحَةِ الْوَجْهِ خَلْقٌ
قَدْ تَجَلَّتْ؛ فَغَارَ وَرْدُ الْحَدَائِقْ
وجْهُهَا فَاضَ فِتْنَةً، وَدَلَالًا
ومُصَفَّى الْجَمَالِ في الثَّغْرِ نَاطِقْ
كَمْ لَنا في غَرامِهَا مِنْ حَياةٍ
وانْفِراجٍ لِشِدّةٍ في الْمَآزِقْ
كَشَفَتْ في طَريقِهَا مُعْجِزاتٍ
قَدْ أَتَتْ في زَمَانِنَا بِالْخَوارِقْ
لَحْظُهَا كَالْعَصَا لِكُلِّ رُسُولٍ
ودَلِيلٌ لِكُلِّ عَاصٍ، وَمَارِقْ
هُوَ سَهْمٌ يُصِيبُ كُلَّ شَغوفٍ
لَحْظُ عَيْنٍ لِأَبْحُرِ الْقَلْبِ فَالِقْ
رِحْلَةٌ لِلْخُروجِ مِنْ قَيْدِ أَسْرٍ
نَجْدَةُ الرَّاحِلِينَ مِمَّنْ يُلَاحِقْ
أَثَرٌ لِلرَّسُولِ عِنْدَ عُبُورٍ
حَدَثٌ في مَسِيرَةِ الْعُمْرِ فَارِقْ
حُبُّها مَخْرَجٌ، وَدَرْبُ نَجَاةٍ
مَهْرَبٌ مِنْ مُطارَداتِ الْفَيَالِقْ
شَعْرُها الدَّجْوَجيُّ مَنٌّ، وَسَلْوَى
رُطَبٌ فَوْقَ شَعْفةِ النَّخْلِ بَاسِقْ(٥)
يَا لَهُ مِنْ مُطَهَّمٍ ذا الْمُحَيَّا
بِمَعايِيرِ جَوْدَةِ الْعِشْقِ فَائِقْ(٦)
يَا لَصَبٍّ إِذَا اشْتَهَى مِنْ جَمَالٍ
لَافِتٍ، فَاتِنٍ، شَهِيٍّ، وَرَائِقْ
ويْلَهُ أَرَّقَتْ لَهُ أَلْفَ جَفْنٍ
يَكْتَوِي بِالْغَرَامِ، وَالدَّمْعُ دَافِقْ
مَا الذي أَحْدَثَتْهُ في مُسْتَهَامٍ
جَامِحٍ طَائِشٍ لَعُوبٍ مُرَاهِقْ؟
نَصَبَتْ لِلْقُلوبِ في الْحُبِّ فَخًّا
نَصَبَتْ لِلْمُرَاهِقِينَ الْمَشَانِقْ
كَيْفَ أَنْسَاهُ حُبُّهَا كُلَّ عِشْقٍ
كَيْفَ أَنْسَتْهُ في الْغَرامِ السَّوَابِقْ
كَيْفَ أَلْقَتْهُ في غُمُوضٍ، وَسِحْرٍ
إِنَّ إِغْوَاءَهَا مُثِيرٌ، وَشَائِقْ
آهِ مِنْ عاشِقٍ إِذَا اشْتَاقَ يَوْمًا
لِفَتَاةٍ بِكَوْنِهَا الْعِطْرُ عَابِقْ
مَنْ يُنجِّيهِ مِنْ حَرَارَةِ شَوْقٍ
مَنْ يُنَجِّيهِ مِنْ لَهِيبِ التَّعَانُقْ
فَاغَ مِنْهَا نَسِيمُ جَنَّات عَدْنٍ
فَغَوَى فَوْحُ طِيبِهَا كُلَّ نَاشِقْ(٧)
كَمَلاكِ السَّمَاءِ، ذاتُ نَقَاءٍ
خَلْقُ ربّي، تَمَامُ صَنْعَةِ خَالِقْ
مِنْحَةٌ مِنْ بَديعِ تَصْوِيرِ خَلْقٍ
كَرَمٌ في الْبَهَاءِ مِنْ عِنْدِ رَازِقْ
مِنْ نَقَاءِ النَّدَى تَصُبُّ زُلَالًا
وفَمِي مِنْ نَقَاوَةِ الرِّيقِ ذَائِقْ
تُسْكِرُ الشَّارِبِينَ في لَذَّةٍ مِنْ
شَهْدِ طَرْمٍ، وَكَأْسِ خَمْرٍ، وَعَاتِقْ(٨)
إِنَّني غَارِقٌ بِأَوْهَامِ عِشْقِي
بِشُعورٍ كَفِطْرةِ الطِّفْلِ صَادِقْ
أَغْتَذِي مِنْ شَهِيِّهَا مِثْلَ طِفْلٍ
يَسْتَقِي الْعِشْقَ مِنْ فَتَاةٍ غُرَانِقْ(٩)
لَمْ أَزَلْ في شِعَابِهَا شَارِدًا، لَا
أَكْتَفِي مِنْ دَلالِ سِتِّ الْعَوَاشِقْ(١٠)
أَحْتَسي جُلَّ صَفْوةِ الْخَمْرِ رَشْفًا
مِنْ فَمٍ لَذَّ مِثْلَ شَهْدِ الزَّنَابِقْ(١١)
أَدْهَشَتْني، وَحَيَّرَتْني، وَقَلْبي
مُعْجَبٌ بِالْمَلاكِ، وَالْثَّغْرُ شَاهِقْ
حَلَّقَتْ ذِكْرَيَاتُها في خَيَالي
ويْلَ قَلْبي خَيالُهَا لَا يُفَارِقْ
سَنَحَتْ مِثْلَ فُرْصَةٍ في حَيَاتي
مِثْلَ عُصْفورةٍ شَدَتْ بِالشَّقَاشِقْ(١٢)
هِيَ مَعْشوقَتي، وَضَوْءُ عُيوني
إنَّني في مَحَبَّتي لَا أُمَالِقْ
قُلْتُ في وَصْفِهَا شَهَادةَ حَقٍّ
في حُضورِ الْجَمَالِ ذَا؛ مَنْ يُنَافِقْ؟
مَا تَفَوَّهْتُ في الْمَحَبَّةِ زُورًا
إِنَّمَا الْقَلْبُ صَادِقٌ لَا يُرامِقْ(١٣)
مَا تَلَفَّتُّ في الْهَوَى لِهُراءٍ
مَا تَهَيَّجْتُ مِنْ وِشَايَاتِ فَاسِقْ
كَانَ قَلْبي عَلَى الدَّوامِ صَدُوقًا
وفَتَاتِي مِنَ النِّساءِ الصَّوَادِقْ
إِنَّني صُورةٌ لَها هِيَ مِثْلي
هِيَ لِي صُورةٌ بِنَفْسِ التَّطابُقْ
فَإِذَا قَبَّلَتْ نَذُوبُ انْصِهَارًا
وإِذَا عَانَقَتْ تَزُولُ الفَوَارقْ
بامْتِزَاجٍ مِنَ التَّعَانُقِ صِرْنَا
في الْهَوَى مِثْلَ تَوْأَمٍ مُتَلَاصِقْ
قَرَّبَتْنَا مُقَوِّمَاتُ غَرَامٍ
واتِّسَاعُ الْفُروقِ لَيْسَ بِعَائِقْ
مَنْ رَآنا عَلَى الطَّريقِ سَوِّيًّا
تَاهَ مِنْ حِيرةٍ لِهَذا التَّناسُقْ(١٤)
قَلْبُها الْعَذْبُ لائِقٌ بِحَبِيبٍ
وحبيبٌ بمَنْ تَولَّعَ لَائِقْ
كَمْ لَنَا مِنْ تَشَابُهٍ في صِفَاتٍ
كَمْ لَنَا في طِبَاعِنا مِنْ تَوَافُقْ
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ تَذُوبَ بِظِلِّي
كَانَ كُلُّ الْمُرادِ أَنْ نَتَصَادَقْ
أَصْبَحَتْ في الْحَياةِ ظِلَّ خَيَالي
أَصْبَحَتْ في مَسِيرَتِي كَالْمُرَافِقْ
صُنْتُ في عِشْقِنا جَمِيعَ عُهودِي
بَوَفَاءٍ حَفَظْتُ كُلَّ الْمَوَاثِقْ
ووَفَائِي عَلَى بُزوغِ هَوَاهَا
سَابِقٌ غَابِرٌ تَلِيدٌ، وَلَاحِقْ
مَذْهَبي في مَحَبَّتي كَسْبُ وِدٍّ
ووِصَالٌ لَها بِشَتَّى الطَّرائِقْ
مَنْ لِصَبٍّ مُتَيَّمٍ بِفَتَاةٍ
سَكَنَتْ بِالشُّعُورِ، وَالْقَلْبُ خَافِقْ
لَمَعَتْ مِثْلَ كَوْكَبٍ بِمَدَاري
نَجْمُهَا في السَّمَاءِ عَالٍ، وَشَاهِقْ
نَجَحَتْ في مُهِمَّةٍ لِاجْتِذابي
قَلْبُهَا في وَظِيفَةِ الْجَذْبِ حَاذِقْ
أَبْحَرَ القَلْبُ في سَمَاَواتِ سِحْرٍ
وشِراعِي بِأَبْحُرِ الحُسْنِ غَارِقْ
قُلْ لَها: (أَقْبِلي لِقَلْبٍ شَغُوفٍ)
قُلْ لَها: (إنَّني على البَابِ طَارِقْ)
قُلْ لَها: (هِمْتُ في هَوَاها، وإنِّي
عَاشِقٌ)، قُلْ لِقَلْبها: (أَنْتَ سَارِقْ)
يَا لَهَا مِنْ روايةٍ لِوَلُوعٍ
قَلْبُهُ في حِكَايةِ الْعِشْقِ عَالِقْ
آهِ مِنْ قِصَّةٍ تَلاشَتْ، وَمَاتَتْ
فَبَكَى في عَزاءِ عِشْقِي السُّرادِقْ
آهِ مِنْ مَوْسمِ الرَّحِيلِ، وَصَمْتٍ
آهِ مِنْ هِجْرةٍ لِسِرْب اللَّقَالِقْ(١٥)
مَا الذِي غَيَّرَ الْغَرَامَ بِقَلْبٍ
مَا الذي غَيَّرَ الْهُيَامَ بِآبِقْ
كَمْ تَصَعَّدْتُ في هَوَاهَا جِبَالًا
كَمْ تَسَلَّقْتُ طَابِقًا فَوْقَ طَابِقْ
شَتَّ عَقْلِي، وَشَوَّشَ الْفِكْرَ وَهْمٌ
قَدْ نَطَقْتُ السُّؤَالَ، وَالرَّدُّ صَاعِقْ
أَكْتَوِي بِالْجَوابِ، وَالْحُبُّ أَعْمَى
تَخْتَفي لِلْمُتَيَّمِينَ الْحَقَائِقْ
جَابَ قَلْبي مَغَارِبَ الْأَرْضِ تِيهًا
وضَلَلْتُ الطَّرِيقَ بَيْنَ الْمَشَارِقْ
ولَزِمْتُ الطَّريقَ أَسْأَلُ عَنْهَا
في دُرُوبِ الْهَوى، وَجُبْتُ الْفَنَادِقْ
ضِعْتُ في قِصَّتي سُدًى، تَاهَ قَلبي
في سَوَادِ الظلَّامِ، وَالْوَضْعُ خَانِقْ
قَلْبُهَا صارَ في الْغَرَامِ جَحُودًا
قَلْبُها لِلدَّلالِ، وَالْهَجْرِ سَائِقْ
يَا فَتَاةَ الْعِنَادِ كُونِي لِأَجْلِي
كَبَصِيصٍ مِنَ الضِّيَاءِ بِغَاسِقْ(١٦)
بُعْدُكِ الْمُسْتَفِزُّ إِعْلانُ حَرْبٍ
كَقَرَارٍ بِغَلْقِ كُلِّ الْمَضَايِقْ
واجِهِي في الْغَرامِ قَتْلًا بِقَتْلٍ
إِنَّ قَلْبي عَلَى الْهُجومِ يُصَادِقْ
أَرْسَلَ الْقَلْبُ أَلْفَ مَفْرَزَةٍ في
سَاحَةِ الْحُبِّ، وَابْتعَثْتُ الْمَلاحِقْ
سَيَّرَ الْقَلْبُ لِلْحَبيبَةِ جُنْدًا
عَلَّهَا تَقْبَلُ الْهَوَى أَوْ تُوَافِقْ
أَرْتَجِي الْحَسْمَ بَعْدَ طُولِ التَّمَنِّي
وأَنَا مِنْ دَنَايَةِ النَّصْرِ واثِقْ(١٧)
تُهْتُ في أَرْضِهَا ضَلَلْتُ طَرِيقي
ضَيَّعتْني خَرَائِطي، وَالْوَثَائِقْ
وضَعَتْ في دُرُوبِنَا عَقَبَاتٍ
وضَعَتْ في الطَّريقِ شَتَّى الْعَوَائِقْ
بَاغَتَتْني بِحَمْلَةٍ، وَاجْتِيَاحٍ
وهُجُومٍ عَلَى الْمَحَبَّة سَاحِقْ
قَلْبُها قَدْ أَذَاقَ قَلْبي حِصَارًا
فَعَّل الحَظْرَ في جَميعِ المَنَاطِقْ
أَطْلَقَتْ مِنْ مَزاغِلِ العِشْقِ سَهْمًا
غَرَزَتْ رُمْحَها، وجادَتْ بحَارِقْ(١٨)
حَطَّمَتْ مَخْبَئِي، وَدَكَّتْ قِلاعي
أَغْرَقَتْ نَارُهَا جَمِيعَ الزَّوَارِقْ
وطُمُوحي قَدِ انْتَهَى تَحْتَ قَصْفٍ
آهِ مِنْ عُنْفُوانِ هَذَا التَّراشُقْ
فَتَحَتْ بِالْجيوشِ نَارَ انْتِقَامٍ
ذَبَّحَتْني، وَقَتَّلَتْني بِوَادِقْ(١٩)
خُطَّتي لِلْفِرَارِ في الْحُبِّ لَاحَتْ
وقَرَارٌ بِحِرفَةِ الْعِشْقِ زَاهِقْ
فَتَراجَعْتُ هَارِبًا بَعْدَ يَأْسٍ
فَرَّ قَلْبي، رَفَعْتُ بِيضَ الْبَيَارِقْ
نَكَّلَتْ بِالْمُشاةِ بَعْدَ انْسِحَابي
ذُقْتُ مِنْهَا هَزيمَةً لِلْبَيَادِقْ
وأَذَاقَتْ مَدِينَتي شَرَّ غَزْوٍ
رَكَّعَتْني، وَفَوْزُهَا السَّهْلُ مَاحِقْ
صِرْتُ مِثْلَ الْأَسِيرِ بَعْدَ حُرُوبِي
خَائِفًا مِنْ صَدَى رَصَاصِ الْبَنادِقْ
مَا لَنا في الْغَرامِ نَخْلِقُ صَمْتًا
وبِمَكْرٍ عَلَى الْجَفَا نَتَسَابَقْ
في بِلَادِ الْهَوى بَنَيْنَا جِدَارًا
وحَفَرْنا عَلَى الْحُدُودِ الْخَنَادِقْ
فَرِّجِي يَا أَمِيرَةَ الْحُزِنِ كَرْبِي
فَرِّجِي في الْهَوَى جَمِيعَ الْضَّوَائِقْ
إنَّني بَعْدَ مَوْتَةِ الْحُبِّ مَسْخٌ
غَاضِبٌ سَاخِطٌ عَلَى الْعِشْقِ حَانِقْ
غَارِقٌ في جِبَال هَمٍّ، وَضِيقٍ
سَاهِدٌ في هُمُومِ لَيْلِي، وَآرِقْ(٢٠)
بِائِسٌ أَوْ حَزِينُ قَلْبٍ شَجِيٌّ
مُتْرَعٌ بِالْهُمومِ أَوْ مُتَضَايِقْ
خَفِّفي مِنْ تَفَاقُمٍ لِجِرَاحي
مِنْ عَذَابٍ بِعَاشِقِ الْحُسْنِ حَائِقْ(٢١)
إِنَّهُ لِلْقُلوبِ دَامٍ، وَقَاسٍ
إِنَّهُ مُهْلِكٌ كَضَرْبِ الْصَّوَاعِقْ
فَارْفُقِي يَا حَبِيبَتي بِتَعِيسٍ
مُجْهَدٍ مِنْ تَوَاصُلٍ لِلتَّهَارُقْ(٢٢)