تخطَّ إلى المحتوى

مقهوية إني مقهو فبيننا

الخفيف

٥٨ بيت

المتفرقات

"مُقْهوِيَةٌ!" إنِّي "مُقهْوٍ!" فبيننا

رباط من الفنِّ الخدوم مقدَّس

فلا تفزعي من ناظريَّ إذا هُما

ألحَّا فهذا الحسنُ يغري ويؤنس

طويت "سُمارا" قمة بعد قمَّة

فراق مكان أنتِ فيه ومجلس

وبي ظمأ، لم ينقطعْ! وتطلُّعٌ

وعندك، من هذا الضنى متنفس

تحلق بي سيارة، في شعافه

أكاد أمس الشمس منها وألمس

على ظهر أفعى تلتوي في توثب

وتمتد، أو تلتفُّ، أو تتحسَّسُ

كأنَّكِ في حصنٍ منيعٍ، حُماته

طريق، من الغازى المدجَّج أشرس

وحسنك ترعاه الطبيعة مثلما

تصون البحار الدرُّ حرصاً وتحرُسُ

على جانبيه "سابرىٌ" منمنمٌ

من الأخضر الحاني، بهيجٌ مسندسُ(1)

ومن تحته "قاع" موشَّى معصَّب

تضوَّع منه ياسمينٌ ونرجسُ(2)

من السفح حيث الورد استهول الذُّرى

وفوق ذُراه أبصرُ السَّفحَ يؤنِسُ

إذا أزبدتْ سيارتي في صعودها

تخلَّف عنها ثابتاتٌ وخنَّسُ(3)

يدوِّي صداها في الفضاء كأنه

هدير خيال شاعرٍ يتبجَّسُ(4)

تفور فتمضي مثل سهمٍ، تخافه

جوارٍ، تجلَّى في المجرَّة، كنَّسُ(5)

إليكِ، تجوز الليل أو تقطع الضُّحى

فمنزلك العالى من الصخر مؤنسُ

وما "مفرج" عند الشجىِّ "بمفرج"

إذا لم يكن فيه المضيف المنفِّس(7)

ولم تحل منذ الجاهلية قهوة

إذا لم تقدمها خرائد أنَّس

فيرتاح ماشٍ، في الجبال، وراكبٌ

من القيظ، لهَّاث، من البرد مرعس

وكم ساعة تنسيك عمراً مشرداً

لساعة أُنسٍ، من مدى العمر، أنفسُ

تواتيك والأيام غمٌّ وكربة

فتطوى هموم، موجعات، وأبؤس

وأحلى ثواني الدهر تأتي فجاءة

بلا موعد، فيها النعيم المجنَّسُ

فخذها، إذا ما أقبلتْ، فمقامها

قليل، فإن الدهر يعطى فيحبس

والأم ساخ، حاسد من سخا له

وأنكد ما يهدى العطاء المنجَّس

قوافل آلات وعنس تجمعت

وقد كدها الوعر العسير المكدَّس

فمن ظامىء قد جفَّ في السير ريقه

وماؤك عذبٌ سلسبيل تَسَلَّسُ(8)

ومن جائع لم يلق في الريح خبزه

وليس له إلاَّ لديك المعرَّس(9)

تقولين لي: "هذا الثَّريد" وإنني

ليشبعني منك الحديث المملس(10)

كلامك موسيقى نديم مهامس

وأجمل معشوق يقول فيهمس

و"مَصوَنُك" الغالي أنيق محبب

ولولاه لم يعشق حرير وسندس(11)

وصفتِ "بنات الصحنِ" في الشهد رتعاً

حنانيك! أنت الشهد والمتلمَّس(12)

وذقتُ "السَّبايا" من يديك نواعماً

فلم يغرني فوق الموائد "كُسْكس"(13)

ولم أر "كالسّوسي" شهياً منسَّقاً

تزعفره خود من الغصن أميس(14)

فلا تعجبي من نظرتي في تحير

ففيك ترى الدنيا عيونٌ وأنفس

ولا تسأليني كيف جئت فما أنا

غريب، ولا مستهتر متملِّس(15)

كلانا "يقهوى" الناس من عهد آدمٍ

فبنُّك أكواب، وخمري أكؤس

تقهوين رواد الهضاب ببنها

وبَثي أنا شعر من الراح أسلس

يغنَّى بك العشاق في السهل والربى

ويروي غرامي ذو بيان وأخرس

هنا اليمن الخضراء في موكب المنى

هنا الوطن الآسمى! هنا المتنفس

زميلان شتى ألَّف الفن بيننا

وكم يجمع الشتَّى التراب المقدس

ويطربني حسن الطبيعة عارياً

ويفتنني فيك الجمال الملبَّس

تقول:"ضنٍ في غربة متنقِّل"

صدقتِ! فصبحي مثل ليلي حندس(16)

رمى بي أهلي! كم رموا من مهذَّب

فأعدى عداهم مصلح متحمس

يريدون دجْلاً إذ أريد حقيقة

ألا إنَّ من يبغي الحقيقة يُفلس

ومن أين تحيا أمة في محيطها

يطيب مقاماً في الأنام المدلِّس

وكيف يكون الطفل ذخراً لأهله

إذا كان من أهل الضلال المدرِّس

بلينا بقوم جاحدين تألَّبوا

وقد يعجز الوغد الذميم فيبخس

وكم محرم، إحرامه في ثيابه

وفي صدره الخبث القديم المدنَّس

لقد أنكروا فضلي وفضلك دائما

وما أكلوه من يديك وما احتسوا

وما أنا غاوٍ في الوجود وإنما

رشيد، وحظ الرشد سوط ومحبس

ومن عاش مثلي في بلاد سقيمة

يعاني فلا يلقى الدواء فييأس

فأصبحت من ضيق الحياة وبؤسها

أبيت، وإن لم أرضَ – حيث أغلِّس

تعالى معي نشرب على النجد قهوة

فنسخر من أيَّامنا حين تعبس

ونأوى إلى تلك الظلال وريفة

فيا ما أحيلاها لمن يتشمس

مررتِ بآلاف العباد وما دروا

بأنك مثلي تدرسين وأدرس

ويصعب أن يستكشف المرء نفسه

فيضحكنا ما يكشف المتفرس

تمرَّست بالأهواء من كل عابر

وليس يبالي العارف المتمرِّس

وجربت هذا الخلق في كل بقعة

فطاب لي الذئب الذي يتعسعس(17)

فليس لمحرابٍ لديهم مهابة

أللوحش، في مرعى الجآذر، مقدس؟