أنا روحٌ أَبَتْ وعقلٌ تَمَرَّدْ
في إسارٍ من التراب مُقيَّدْ
جسدٌ قَيَّدت خُطاهُ الليالي
وهي تسمو فوق الوجود وتصعدْ
حاملًا في حشايَ طفلاً كبيرًا
طالما صال في الحياة وعربدْ
صَحِب الحزنَ والشقاءَ وعانى
الغدر واليأس والأسى وتجلَّدْ
عقد العزمَ أن يسير وحيدًا
ورأى دربهُ فلَمْ يترددْ
كم رأى الحُلْم يستحيل سرابًا
والأماني أمامهُ تتبددْ
وتصيرُ الحياة حالًا فحالًا
والليالي تمرُّ كالجَزْر والمَدْ
يملأ الليلَ والنهارَ غناءً
وكما مَرَّ الأمس يمضي بهِ الغدْ
ذَهَبَتْ هذه السنونَ ومَرَّت
وهو الآن صخرةٌ من جلمدْ
يرفض الظلمَ والخنوعَ ويأبى
أن يُرائي اللئام أو يتوددْ
كان فيما مضى يصوغُ الأغاني
وعليه البَخور والمِسك والنَّدْ
ورأى أن يعيش حُرًّا طليقًا
فبنى معبدًا ليهدِم معبدْ
يَقطعُ الدربَ هادئًا لا يُبالي
وهو في الليل والنهار مُهدَّدْ
فأنا الشاعرُ الذي عَشِقَ الحُسْنَ
وصلَّى من أجلهِ وتَعبَّدْ
خلَّفَ الحُزنُ في ضلوعي حريقًا
ولهيبًا في داخلي ليس يخمَدْ
عشتُ للفن راهبًا عبقريًا
حائرَ الفِكْرِ مُستهامًا مُشرَّدْ
وحواليَّ تُرَّهاتٌ سِخافٌ
وأساطيرُ من قديمٍ تُردَّدْ
وحكايا تلوكها ألسُنُ الناسِ
وتُتلى في كلِّ حينٍ وتُسرَدْ
خلفيَ الجَدبُ مُحكَمٌ والفيافي
وأمامي الفضاءُ والتيهُ مُمتَدْ
كلما صرتُ للضياءِ قريبًا
يُصبح النورُ عن عيونيَ أبعدْ
أمطري يا سماءُ بالدم والنار
وخلِّي الرياحَ تقوى وتشتَدْ
ومُرِي البحر أن يثور ويغلي
كلما أرغى ماؤهُ أو أزبدْ
واجعلي الصبحَ مظلمًا كالدياجي
واجعلي الأُفْقَ بالغيوم مُلبَّدْ
أرسلي طيرك الأبابيل ترمي
الأرضَ بالنار والغبار الأسودْ
وافتحي كُوَّةَ الجحيم عليها
كلما غنَّى طائرٌ أو غرَّدْ
فالأناشيدُ لن تضيع هباءً
وسيبقى الغناءُ دومًا يُردَّدْ
يضحك المرءُ تارةً ثُم يبكي
وتثور البحار حينًا وتهمدْ