هربتُ من ضوضاءِ ظلمٍ وادّعاء
وجئتُ أفتّشُ عن سكينةِ الابتداء
ففي الحقولِ رأيتُ وجه الاصدقاء
حمارٌ، صامتٌ كصوتِ الأوفياء
شدّني ذاك الوقارُ بوجهِ الرجاء
وفيهِ مرآةُ الضميرِ النائيَ الهُدَاء
قلتُ: أحقًّا ما يقالُ عنك في الوراء
فأطرقَ الرأسَ، وقالَ: محضُ افتراء
أنا الذي لم أخنْ عهدًا، ولا كذب افتراء
ولم أُذِلَّ القلبَ في دربِ الرياء
يحملونَ القولَ، أمّا أنا فصفاء
يُثقلُ ظهري دون وعدٍ بالبكاء
سألتُهُ: هل تنحني لأيامِ القضاء
فقالَ: البلاءُ يصقلُ صدقَ الرجاء
لا أُبتلى بالخِسّةِ في الاصغاء
ولا أُعانقُ في المسيرِ دُنا الشقاء
وسألتُهُ: ما رأيُكَ في وجهِ الأصدقاء
قالَ: الوحوشُ لا تُبرَّرُ بالسِواء
أنا حمارٌ، لم أخدعْ، أنا في براء
ولم أداوِ الكذبَ في نثرِ الدواء
ثم سألتهُ عن الحبِّ، هل ذاقَ العناء
فقالَ: الحبُّ الوفاء بلا رياء
أحببتُ أرضًا فداءٌ للصدقِ، لا عهدًا يُساء
ومن غفرَ لي حين جارَ الأصدقاء
الحبُّ صبرُ مَن أحبَّ بصمتِهِ الوفاء
لا غناؤكم… ولا وعدٌ بجزاء
قلتُ: هل حلمتَ بوجهٍ غيرِ وجهِك رجاء؟
فقالَ: وجهي لا يُغيّرُ في الحياء
"أنا الذي لا يُبدّلُ القناع والأزياء"
صافٍ، وموقفي بعيدٌ عن الجفاء
ثم التفتَ وقالَ لي: اصغاء
لا تسألِ القَدرَ: لِمَ كنتَ في الحَذاء؟
بل اسألِ النفسَ التي قد هملت الثناء
ما يجعلُ الإنسانَ أسمى في العطاء
أمضي.. كالحمارِ، أحمِلُ صدق
فوق درب ينبت الزّيف و العتق