لقد مرّوا وطيفُكَ لا يمرُّ
وهم مكروا وعند اللهِ مكرُ
وعادوا بالقليلِ فلستَ فيهم
بغيركَ كلُّهم يا أنتَ صفرُ
ومازلتَ انتباهاً من ضياءٍ
فكيف يضمُّ هذا النّورَ بئرُ؟
وأشهدُ أنّ غيبتَكَ احتضارٌ
لنا وحضورَهم ما فيهِ خيرُ
ولم يظلمكَ هذا الظّلمَ جُبٌّ
ولكن سوّلتْ نفسٌ فصبرُ
أمرُّ إليك منّي كي أراني
فأنت أنا ودونَ أناكَ كُثرُ
وأنت أبي أقاتلُ عنهُ حتّى
يُضرّجَ بالنّدى سيفٌ وشِعرُ
وأنت الصّبحُ يعلنُ ما لديهِ
فيورقُ في سِلالِ الضّوءِ عُمرُ
وأعلمُ أنّ سنبلةً ستبكي
طويلاً حينما يُغتالُ فِكرُ
وأنّ يمامةً ستموتُ حزناً
إذا الفسطاطُ هُدَّ وقيلَ (عمرو)
لقد حبسوا مداكَ فكنتَ بُعداً
وبينك والمدى نسبٌ وصِهرُ
وهم طرحوكَ أرضاً كي يظلّوا
ويخلووجهُ سيّدهم وصدرُ
فغِمتَ فصرتَ سقفاً من غمامٍ
وأبرقكَ الحصارُ فكانَ قطرُ
ليذهبَ ألفُ كرسيٍّ جُفاءً
ويمكثُ في قرارِ الجوِّ نسرُ
فإنّكَ فوق ما شاؤوا خضمٌّ
وهم في موجةِ الطّوفانِ نَزْرُ
وإنك كلّما قالوا قديمٌ
تحدّاهم هواكَ وقال: بِكرُ
فكم صُنعتْ وجوهٌ من ضبابٍ؟!
ووجهكَ أبيضُ القسماتِ بدرُ
وكم نامتْ عيونٌ كان أحرى
بها أن لا تنامَ وقامَ غِرُّ؟!
ليصنعَ مجدَهُ من غيرِ مجدٍ
ويُبنى من عظامِ الشّعبِ قصرُ
وباسمِ الشّعبِ كم مُدَّتْ إلينا
أكفٌّ من دماء الشّعبِ حُمرُ؟!ُ
وأقسمُ أنّه ما كان ذئبٌ
ولكنْ كان قبلَ الذّئبِ أمرُ
وإنّ دماً أرادوا منه شيئاً
دمٌ كَذِبٌ وظلمٌ مستمرُّ
وهم جرحوا قميصَكَ ألفَ جرح
بمُديتهم ولكنْ سال عِطرُ
ليعلنَ دولةً من ياسمينٍ
لها في معجمِ التاريخِ نهرُ
فيا وطناً نحاصرُه ويبقى
وتضطربُ الحدودُ ويستقرُّ
ويا مطراً من الشّعرِ المقفّى
عليهِ توحّدا شعرٌ ونثرُ
وأنت أردتَ عِليّينَ بيتاً
ومن طلبَ العلا لم يُغلِ مَهرُ
لقد حوصِرتَ من شرقٍ وغربٍ
فأشرقَ في جهاتِ النّفسِ فجرُ
لأنّكَ أمّةٌ دينٌ ودنيا
سقاها من سبيلِ الغيبِ ذِكرُ
وأنت اخترتَ أن تحيا كريماً
وتعرفُ أنّ دربَ المجدِ وَعْرُ
هي الأمجادُ يكتبُها رجالٌ
وإنّك في كتابِ المجدِ سِفرُ
نعيشُ وفي ضمائرنا سجونٌ
ووحدَك في ضميرِ الجُبِّ حرُّ
وليس الحرُّ من يمشي طليقاً
وقُضبانٌ بداخلِهِ وقبرُ
فيا عرباً سقاهم ماءُ بدرٍ
ويا عرباً بهم تُغتالُ بدرُ
ونسقط من حساب الضّوءِ عمداً
وأوّلُ أمرنا فتحٌ ونصرُ
وكم من أجلِ أن نحيا بذلنا
وخُضِّبَ في سبيل اللهِ نحرُ؟!
وليس العيبُ في مهرٍ أصيلٍ
ولكن ربُّ هذا المهرِ غَمرُ
لماذا واحدٌ يعطي ألوفاً
من اللّاشيء والعشرونَ صِفرُ؟!!!
ويجتمعون كي نبقى بلاداً
وتُعقدُ قمّةٌ ليضيعَ قُطرُ
ومُزجاةٌ بضاعتُهم ورُدّتْ
بأيديهم ومسَّ الأهلَ ضُرُّ
وإنّ لهم أباً عِِلْجاً كبيراً
لهُ في بيتِ أبيضهم مقرُّ
ألا يا أيّها الصّدّيقُ إنّا
مُنعنا كيلَنا والنّفطُ بحرُ
ونقتسمُ المذابحَ كلَّ عامٍ
تُراقُ مدينةٌ ويُهدُّ ثَغرُ
وهم حصدوا سنابلَنا فعُدنا
بلا حَبٍّ فلا غَوثٌ وعَصرُ
وكم مرّتْ بنا سبعٌ عِجافٌ؟
أتتْ من بعدها سبعٌ أمرُّ
ونأكلُ خبزَنا لنُباعَ نفطاً
وتأكلُ من رؤوسِ القومِ طيرُ
فياشيخي عرفتَ الدّربَ فالزمْ
فأنتَ لها يدٌ طولى وأزْرُ
لقد أخفيتُ حبّي عن كثيرٍ
ولن يخفى عليكَ اليومَ سِرُّ
سأعلنُ في ضميرِ الكون حُبّي
لقد أحببتُ (غزّةَ)... لا مفرُّ
وياشيخي سنأتي ذاتَ صُبحٍ
فقُلْ لي سوفَ إنّ البعدَ مُرُّ
وبعد بياضها ستعودُ عينٌ
إذا فصلَ النّدى أو جاءَ نَشرُ
ونختصرُ الطّريقَ كلمحِ جرحٍ
ويُصنعُ من دم الشّهداءِ جسرُ
وإنْ هم أغلقوا (رفحاً) علينا
فنحو اللهِ للآتي ممرُّ
سيُفتحُ معبرٌ في كلِّ أرضٍ
وسوفَ يُقالُ: كلُّ الأرضِ (مِصرُ)