تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
أَمَا تَرَى البُعْدَ قَدْ كَوَانَا؟
تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
يَكْفِي بُعْدًا وَحِرْمَانًا.
تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
وَاسْقِنِي حُبًّا وَحَنَانًا،
كَفَانَا بُعْدًا، كَفَانَا.
تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
قَبْلَ أَنْ يَشِيخَ هَوَانَا،
نَسْتَرْجِعَ ذِكْرَيَاتٍ وَابْتِسَامَاتٍ،
وَهَوًى فِي أَيَّامِ الصِّبَا احْتَوَانَا.
تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
لِنُحَدِّثَ بَعْضُنَا: كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَنَا الزَّمَانُ؟
أَيْنَ كُنَّا، وَكَيْفَ صِرْنَا،
وَأَيُّ قَدَرٍ فِي البُعْدِ رَمَانَا؟
تَعالَ، لَيْسَ غَدًا، بَلِ الآنَ،
لِنَتَذَكَّرْ تَحْتَ الْمَطَرِ نَشْوَتَنَا،
وَنَتَذَكَّرْ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ سَهْرَتَنَا،
وَأَنَا أَصْنَعُ لَكَ عِقْدًا بِالنُّجُومِ،
أُرَصِّعُهُ نَجْمَةً نَجْمَةً،
وَكَأَنَّ السَّمَاءَ كُلَّهَا سَمَانَا،
وَكَأَنَّ لَا سَنَا فِي الْأُفُقِ إِلَّا سَنَانَا،
وَلَا عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْتَ وَأَنَا،
وَالْقَصَائِدُ، وَالْقَهْوَةُ، وَالْمُوسِيقَى؛
قَصِيدَةً قَصِيدَةً نُنْشِدُهَا،
وَكَأْسًا كَأْسًا نَتَسَاقَى،
وَنَطْرَبُ بِالْهَوَى الْأَلْحَانَ.
وَكَأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّ الْأَرْضِ أَرْضُنَا،
وَالْمَدَى كُلَّ الْمَدَى مَدَانَا،
وَحَتَّى تَحْتَ الْأَرْضِ لَا ثَرَى إِلَّا ثَرَانَا،
كَأَنَّنَا كُنَّا مَعًا عَالَمًا خَاصًّا رَسَمْنَاهُ مُنْذُ صِبَانَا،
أَنَا وَأَنْتَ فَقَطْ، هَذَا الْعَالَمُ احْتَوَانَا،
نَرْكُضُ، نُسَابِقُ الْحُبَّ إِلَى مَا بَعْدَ الْهَيَامِ فَنَسْبِقُهُ،
فَلَا يَجِدُ إِلَّا خُطَانَا.
كُنَّا سُعَدَاءَ، لَا تُفَارِقُنَا بَسْمَةٌ،
فَلَا أَدْرِي كَيْفَ اخْتَرْنَا شَقَانَا؟
كَيْفَ تَرَكْنَا خَلْفَنَا ضَحِكَاتِنَا، وَاخْتَرْنَا بُكَانَا؟
كَيْفَ أَحْرَقْنَا الذِّكْرَيَاتِ، وَاخْتَرْنَا النِّسْيَانَ؟
كَيْفَ رَكَضْنَا نَحْوَ الْبَيْدَاءِ، وَتَرَكْنَا خَلْفَنَا جِنَانَنَا؟
عَجَبًا! كَيْفَ يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ الْوَحْشَةَ، وَيَتْرُكُ الْأَمَانَ!