في آخرِ الليلِ
علَّقتُ على جدرانِ الريحِ
إعلانًا عن حرفٍ
شوهدَ يركضُ بينَ أفواهِ القصائدِ
ممزّقَ المعنى
يجرُّ وراءهُ ظلَّ قاموسٍ أعمى
ويتركُ في يدِ اللغةِ
أصفادَ أسماء تناديه..
قيلَ:
كانَ ينامُ في جيبِ شاعرٍ منسيٍّ
ثمَّ استيقظَ مذعورًا
حينَ رأى المعاني
تبيعُ أقنعتَها في الأسواقِ
وتقتاتُ من فتاتِ مراياها
فخلعَ صوتَهُ
ومضى يفتّشُ عن نواحيه..
لهُ عينانِ من تعبٍ قديمٍ
ووجهٌ يشبهُ الطرقاتِ
حينَ تنسى الجهاتُ خرائطَها
ويشبهُ الماءَ
إذا ضاقَ الإناءُ بعطشهِ
وكلما حاولَ الزمنُ
أن يضعَ لهُ رقمًا
ذابَ من بينِ أصابعِ تحاكيه ..
أمُّهُ فاصلةٌ مهجورةٌ
وأبوهُ سؤالٌ
لم يجدْ منذُ قرونٍ
جملةً تتبنّاهْ
وكانَ يسكنُ
في الرئةِ الثالثةِ للقصيدةِ
حيثُ لا يصلُ النحوُ
ولا تجرؤُ البلاغةُ
على لمسِ ماضيه..
من يعثرُ عليهِ
فلا يقتربْ كثيرًا
إنَّهُ حرفٌ
يخافُ التعريفاتِ
ويعضُّ يدَ التأويلِ
إذا أُكرهَ على الوضوحِ
ويكسرُ المرايا
كلّما حاولتْ
أن تستعيرَ ملامحَ أمانيه.
آخرُ مرّةٍ شوهدَ فيها
كانَ يعبرُ من ثقبِ مجازٍ بعيدٍ
حاملًا نعشَ معنىً صغيرٍ
وماتَ قبلَ اكتمالِ اسمهِ
وكانَ المطرُ
يكتبُ فوقَ كتفيهِ
وصيّةَ الغيمِ
ويخفي تحتَ معطفهِ
خرابَ أغانيه...
قالَ شاهدٌ مجهولٌ..
إنَّ الحرفَ الهاربَ
لا يريدُ العودةَ
فاللغةُ صارتْ مدينةً
تأكلُ أبناءَها بالحركاتِ
وتعلّقُ فوقَ أبوابِها
رؤوسَ الاستعاراتِ اليابسةِ
وتوزّعُ على الفقراء
فتاتَ معانيه..
وقالَ آخرُ..
إنَّهُ لم يهربْ أصلًا
بل نحنُ الذينَ
تركناهُ وحيدًا
في بئرِ الكلامِ
ثمَّ صرنا نبحثُ عنهُ
كما تبحثُ المقابرُ
عن موتاها
وكما يفتّشُ الفراغُ
في جثةِ الضوءِ
عن بقايا نوايا تدانيه...
أيّها الحرفُ
إن كنتَ تسمعُ هذا الإعلانَ
فعدْ…
لا لتنجو
بل لنشهدَ معًا
كيفَ تتساقطُ اللغةُ
من شرفاتِ المعنى
وكيفَ يواصلُ الصمتُ
ترميمَ خرابهِ
بمطرقةِ أصدائهِ
وبأشلاءِ مرافيه..
وإن لم تعدْ
فسأتركُ مكانَكَ فارغًا
بينَ كلمتينِ
كي يظنَّ العابرونَ
أنَّ الغيابَ خطأٌ مطبعيٌّ
بينما هوَ
أنتَ…
تمشي بعيدًا
في الجهاتِ التي لا أسماءَ لها
حاملًا على ظهركَ
بردَ الكونِ
ووحدتَهُ
وكلَّ أمانيه...