تخطَّ إلى المحتوى

وقفت أبكي والدموع غزيرة

الكامل

٢٩ بيت

المديح

وَقَّفتُ أبكي والدّموعُ غَزيرةٌ

أُحاوِلُ صَبرًا غَيرَ أنّي مُثَقَّلِ

فَسِرتُ أُجوبُ البَيدَ أَطلُبُ بَرقَها

وأُطفي لَهيبًا في الفُؤادِ مُؤَجَّجِ

فَليلٌ طَويلُ السّهدِ يَطوي جَوانحي

كَبَحرٍ ظَلامُ المَوجِ فيهِ مُلَجْلِجِ

وَصُبحٌ بَدا كالفَجرِ يَسطَعُ نُورُهُ

فأَشرَقَ مِن وَجهِ الحَبيبةِ مُبْلِجِ

رَأَيتُ جَمالاً في مَلامِحِ وَجهِها

يَفوقُ جَمالَ البَدرِ في اللّيلِ أبهَجِ

عُيونٌ كَلَيلٍ في سَوادٍ عَميقِها

نُجومُ الدُّجى فيها بَريقٌ مُؤَلْهَجِ

وَحاجِبُها كالقَوسِ يَحمي جُفونَها

وَيُرسلُ أسهُمًا تَصيِبُ المُوَلْوَجِ

وَخَدّانِ كَالوَردِ المُفَتَّحِ نورُهُ

إذا مَرَّتِ الأنفاسُ فيهِ تَعَطَّرِ

وَثَغرٌ كَشَمسٍ في صَباحٍ مُضيئَةٍ

إذا ما تَبَسَّم أَطفَأَ اللَّيلَ أَسوَدِ

وَشَعرٌ كَليلٍ حالِكٍ في سُكوتِهِ

يُداعِبُهُ نَسْمُ الصّبا فَيَتَسْرَبَلِ

وَعنقٌ كَسِطرٍ مِن جَمالٍ مُطهَّرٍ

تَفَتَّحَ فيهِ البَدرُ يَسطَعُ أبهَلِ

ونَهدٌ كَبَدرَينِ في أُفقِ حُسنِها

يَنيرانِ عَرشَ الحُسنِ سِرًّا ومَنهَلِ

وَقَوامُها غُصنٌ رَشيقٌ تَهادى

إذا مالَ في ريحِ الهَوى تَأَوْدَلِ

وجِسمٌ كَبُستانٍ تَفتَّحَ زَهرُهُ

فَفاحَ عُطورًا في المَدى مُتَسَلْسِلِ

وَخَصرٌ كَخَيطِ البانِ لَفَّت حُروفَهُ

فَأَمسَكَ قَلبًا في يَدَيهِ مُكَبَّلِ

وَردفٌ كَغَيمٍ أثقَلَ الماءُ حَملَهُ

فَهادى بِنَرجِسِه الرّبيعَ المُبَجَّلِ

وفَخذٌ كَوردٍ لاحَ في حُسنِ بُستانٍ

يُداعِبُهُ ضوءُ الغُروبِ المُخَمَّلِ

وَلَحمٌ كَعِطرٍ في النّسيمِ إذا سَرى

يُذيبُ حُروفَ الشِّعرِ حتّى تَسَلْسَلِ

وَساقانِ مِن عاجٍ بَدا في بَياضِها

جَمالٌ نَقِيٌّ في الوُجودِ مُكَمَّلِ

وَخُطاها كَنَغْمٍ في الفَضاءِ تَرَنَّمَت

فَأَزهَرَ مِنهُ الرّوضُ زَهرًا ومِنهَلِ

وَصَوتٌ كَمِزمارِ الشَّجيِّ تَطَرَّبَت

لَهُ الرُّوحُ فانقادَ الفُؤادُ المُبَلْبَلِ

وَضَحكَتُها كالشَّمسِ في بَدرِ ضَحكِها

تُنيرُ طَريقَ الحُبِّ زَهرًا ومَوصِلِ

وبَشرتُها الفَجرُ النَّقِيُّ بِلَونِهِ

إذا لاحَ أَطفَأَ ظُلمةَ اللّيلِ كُلَّهُ

وَثَغرُكِ كأسُ الخَمرِ في طَعمِ سُكرِهِ

إذا لامَسَ الرُّوحَ استَحالَ مُخمَّلِ

يَداكِ رِسالاتُ الحَنينِ خُطُوطُها

نُقِشْنَ على صَدرِ الغَرامِ الأَوَّلِ

وأَصابعُكِ الأَطيافُ في لَمسِها هَوىً

كَزَهرٍ تَنادى في الرَّبيعِ المُجَلجَلِ

فَيا جَنَّةً أَخضَرت بِأَرضِ فُؤادِنا

تَفَتَّحَ فيها الحُسنُ بَدرًا مُكَلَّلِ

أَيا مَن بَها سِرُّ الجَمالِ مُجَسَّدٌ

تَبارَكَ مَن في خَلقِها قد تَجَمَّلِ

فإنّي وإن طُفتُ البِلادَ بِحُسنِها

فلا أَشهَدَنْ إلا جَمالَكِ سَيِّدًا