كأن الذي بيني، وبين عواذلي
إساءةُ أطفالٍ، جعلتُ لها غَفْرا
فإنْ خرقوا ثوبي، رتقتُ ثيابَهم
وإن وسّعوا الخرقَ، التمستُ لهم عُذرا
وإن قطّعوا ودّي، وصلتُ وِدادَهم
وإن هم نَووا شَرّاً، نويتُ لهم خيرا
وإن نقضوا عهدي، رعيتُ عهودَهم
وإن هم فشوا سِرّي، كتمتُ لهم سِرّا
وإن كشفوا عيبي، سترتُ عيوبَهم
وإن خفضوا قدري، رفعتُ لهم قدرا
وإن جرحوا جسمي، ضمدتُ جراحَهم
وإن همُ ذمّوني، منحتُهم شُكرا
وإن طلبوا ثوبي، تركتُ لهم معاً
ردائي، ولا أرجو على عملٍ أجرا
وأمحضهم نُصحاً، وأمنحهم رِضاً
وأنصحهم نثراً، وأُرشدهم شِعرا
ولا أُضمر الشرَّ الذميم لمفترٍ
فليس كبيرُ النفسِ من يُضمر الشرّا
تَأدّبتُ من دهري، كأني ربيبُه
فأوجعني ضرباً، وأسمعني هُجرا
وحمّلني ما لا يُطاق احتمالُه
فأرهقني ظلماً، وجرّعني مُرّا
فأبصرَ مني الحزمَ في ما أُريده
فأفنيتُه عزماً، ولم يُفنني صبرا
وزهّدني في الناس ليلُ شِقاقهم
طويلاً عريضاً، ما رأيتُ له فجرا
ورغّبني في الناس أكرمُهم أباً
وأفضلُهم أُمّاً، وأرحبهم صدرا
وأجودُهم كفّاً، وأحسنُهم رِضاً
وأنصحُهم حُكماً، وأحكمهم أمرا
وأرصنُهم عقلاً، وأنهضُ هِمّةً
وأوفرُهم حِلْماً، وأبعدهم فِكرا
وأصدقُهم قولاً، وحُسنُ تَدبُّرٍ
وأنجزُهم وعداً، وأكثرهم بِرّا
بمثلهمُ قد يُؤنس الحرُّ نفسَه
ويُمسي قريرَ العينِ، إن أبصر الحُرّا
ستنسحق الأصنامُ في كلّ أمةٍ
وتنسلخ الأوهامُ عن أنفس الأسرى
ويُشرق نورُ العلمِ في كل بقعةٍ
ويمشي ملاكُ السلمِ في الباحة الخَضْرا
ويُقفَل بابُ الخُلْفِ في كلّ مذهبٍ
وينبعث الإنسانُ من ميتةٍ صُغرى
ويُعلم أن الحبّ أقومُ مذهبٍ
تجلّتْ به الأخلاقُ في القوة الكبرى