إلى الشاعر المكدود، يا نسمةَ العصرِ
إلى الشاعر الظمآن، يا موجةَ النهرِ
إلى ذلك الفنان أُفْرِدَ حالمًا
على شاطئٍ من نشوة الغرس في سُكْر
على شاطئٍ ألقت إليه قيادها
سفائنُ قد ملَّتْ مجاهَدَةَ السيْر
أحاطت به القصباءُ كالأمّ تبتغي
له سلوةً في كل ريَّان مخضرّ
ويسعى إليه الموجُ وهو مصفِّقٌ
كأن به شوقًا تَحرَّك في الصدر
ويُسمعه المزمار ألحانَ عالمٍ
تولَّى ولم يُعْقب سوى لوعةِ الذكْر
وتُشجيه أصواتُ النواقيس قربه
وتُشعِرُهُ الإيمانَ من حيث لا يدري
ومن خلفه دنيا، يثور ذئابها
ويُمْنَى بها الخيرُ المسالم بالشرّ
ويقتتل الإنسان في غير مقتلٍ
ويفتخر الإنسان في غير ما فخر
فَوَا لهَفي من لي بدنيا أرودها
وأنسى بها وجهَ الملاحاة والجَوْر
إلى الشاعر المكدود يا نسمةَ العصرِ
إلى الشاعر الظمآن يا موجةَ النهر
إليه وحُلاَّ عقدةً من لسانهِ
لينطقَ بالسحر المبين من الشعر
فهذا الربيع الطلق يدعوه هاتفًا
بما فيه من نَوْرٍ، وما فيه من زهر
تَمشَّى على هذي المروج فأعشبتْ
وغنّت على الأعواد ساجعةُ الطير
ومدَّ على الأشجار كفّاً فأورقت
بأنضر ما يهتزّ من ورقٍ نَضْر
كساها الربيع السمح كلَّ مفوَّفٍ
تميس به بين البراءة والطهر
كساها وكانت عارياتٍ جسومُها
كمن عاش من بخل الشتاء على فقر
وأبدع فيها للعصافير مسرحًا
تُشقشق فيه في الأصيل وفي الفجر
مواكبُ وشَّاها الربيع بكفّه
وأطلعها سِحرًا يجلُّ عن السحر
فيا ساحرَ الألباب بُوركتَ ساحرًا
يُفيء علينا بالحياة وبالبِشْر
تنفّستَ في جو الحدائق والرُّبا
فأودعتَ فيه العطرَ ناهيك من عطر
وفجَّرْتَ في قلبي الينابيع عذبةً
وكم عاش في دنياه كالواحة القفر
وأحييتَ آمال النفوس التي ذوت
وأسلمَها ريبُ المنون إلى القبر
وفتَّحتَ أكمام الأزاهر مبدعًا
وأطلعتَها في الروض بسَّامةَ الثغر
تُعطِّر أشتاتَ القلوب بطيبها
وتوحي إلينا بالتأمُّل والفكر
فأيُّ خيالٍ يَنْظم الكونَ مَعْرِضًا
يموج بآيات الصباحةِ والنشر