تلك الرواسي كم انحطّ النهار على
أقصى ذراها وكم مرّت بها الظلم
فما فرحن بآلاف الشموس ولا
من ألف نجم تردى مسّها ألم
صماء بكماء لم تأخذ ولا وهبت
ولا ترصدها موت ولا هرم
لو أودع الله إياها أمانته
لنالهنّ على استيداعها ندم
ولاقتسمن مع الأحياء ما دفعت
من جزية لا توفى حين تقتسم
عن كل قهقهة من صرخة ثمن
وما استجد دم إلا وضاع دم
وما تحمل آلام المخاض ولم
يقرب من النور إلا الفكر والرحم
وإن يكن أسعد الأحياء أكملها
فإنما هو أشقاهن لا جرم
قابيل باق وان صارت حجارته
سيفا وإن عاد نارا سيفه الخذم
ورد هابيل ما قاضاه بارئه
عن خلقه ثم ردت باسمه الأمم
واليوم في حين وفى الدين غارمه
إلا بقايا وكادت تخلص الذّمم
وكاد يرجع للدنيا بشاشتها
ما قربته الضحايا وهي تبتسم
مشى على الأرض خلق عاش في دمه
من وحشها في المخاض الأول الضرم
خلق تراءى ليحيى ساعة افترست
عينيه رؤيا لها من هؤلاء فم
لو يقبض النور بالأيدي لسوره
دون الورى ولتعم العالم الظلم
ريان عطشان لا يروى بلا فرح
جذلان باد عليه الجوع والبشم
كأنه وهو ماض في غوايته
من نفسه اقتص فهو الماء والحمم
تفجر الضحك المسلوب من رئة
منخوبة بعد أخرى هدها السقم
عن ضحكة أطلقوها فهي صاعقة
أصابهم والورى من رجعها صمم
واستترفوا متعة الأحياء ما دفعوا
عنها ولا غارما ما استنرفوا رحموا
ثم استزادوا فإن لم يذهبوا دية
أو يقصروا عن طماح يرجح العدم
ماذا تريد العيون السود من رجل
قد حاش زهر الخطايا حين لاقاها
زهرا على جسمي المحموم أقطفه
في باقة من جراح بتّ أصلاها
هذا الربيع الذي تهدي شقائقه
ريح المنايا إلى قلبي بريّاها
أزهار تموز ما أرعى أسلمه
في عتمة العالم السفلي أياها
أم صل حواء بالتفاح كافأني
وهو الذي أمس بالتفاح أغواها
ماذا تريد العيون السود؟ إن لها
ما لست أنساه منها حين أنساها
ما بالهن استعضن البوم أوعية
عن أوجه الغيد حتى ضاع معناها
أين المناقير من لعس مراشفها
ربي؟ وأين ابتسام كان يغشاها
من هذه الخربة الظلماء محدقة
بي أعين البوم من أجداث موتاها
قفراء من غير ثكلى شف مئزرها
عن وهج فانوسها الكابي وأخفاها
تسعى كما اصطاد في ليل يراعته
طفل وطارت وقد ألوى جناحاها
محنية تتقرى كل شاهدة
من كل قبر كما لو كان طفلاها
في كل قبر يذوقان الردى دية
عمن يؤاوي وعن أحياء دنياها
نادتهما فانبرى يزقو لصيحتها
من حيث رد الصدى بوم وناداها
أماه إنا هنا ريح بنا عصفت
لم ندر أين انهينا بعد لقياها
وانشق من خلفها قبر ليبلعها
واحتازها واشرأبت منه كفّاها
يختص فانوسها التمتام بينهما
والريح خرساء تعبى غير ها ها ها
ويلم سازاك كيف اندك حائطه
حتى تعرى لي السهل الذي حجبا
سهل يكن الصلال الرقط أجهضه
عاد من المحل حتى يفزع العطبا
وانبحت التربة العجفاء من عطش
عن أشدق فاغرات تنبح السحبا
والشمس كالأطلس المسعور تنهشه
والريح تصليه من تنورها لهبا
الريح لا ليست الريح التي ركضت
بيضاء سوداء رقطاء القفا عجبا
عنقاء في مسعر الجوزاء أعينها
والصخر يرفض من أظلافها شهبا
تلك الزرافات في السهل العقيم لها
مرعى روى من سراب ينبت السّغبا
ما روعتها سوى ضوضاء خشخشة
في كف أبرص يعدو خلفها خببا
تخفيه عنها ضمادات ويظهره
ما نز من قيحه الدامي وما شخبا
نادى وكفاه تختضان واحربا
فاستعبر العاصف المصدور واحربا
ماء اسق يا ماء تلهاث مقاطعه
منزوعة من لسان يشبه الخشبا
حتى استجاب السحاب الجون فانعقدت
في الجو حباته الغبراء فاحتجبا
وانهل لا عن ندى صاف ولا مطر
بل عن دم من ثدي مزقت حلبا
أو عن مشاش من الأحداق فقأها
سيخ لجنكيز دام ينفث اللهبا
ماء اسق يا ماء والغيث الرهيب كلى
مفرية سحت الآجال والكربا
لم يبق من مرتو أو ظامئ بفم
أو دون إلا ومن ماء الردى شربا
ويل لسازاك ماذا ينتوي بدمي
من نيّة فهو يستصفي ويمتار
تلك الزجاجات أشلاء مجزأة
مني دمي مختز فيهن موار
لم تثن سازاك عن شحذ لمديته
آهات مرضى ولا ألهاه زوار
إني لدار بأني حين يشرعها
ران إليها فملدوغ فمنهار
هل تبتغي شفرتاها غير آنية
فيها دمي راجف والداء والعار
ما كنت يوما ولا المرضى سوى عرض
في عين سازاك يجبى منه إيجار
ست وعشرون أعداد على سرر
أما الأصحاء والمرضى فأصفار
فالرقم عشرون لا يسقى سوى لبن
والرقم عشر نعاه اليوم محرار
واليوم لم يبق ما أعطيه عن مرض
إلا دعائي وقولي نعمت الدار
فليلق سازاك من يسمى ثمانية
غيري ويستوف أجر القبر حفار