تعالَ وأحْكمْ رباطَ البصرْ
وسدِّدْ بحزمٍ سِهامَ النظرْ
وقلِّبْ صحائفَ تلك الحياةِ
وفكِّر فإن الحياة فِكَر
وكن واعيًا كلَّ تلك الدروسِ
فإن دروس الحياة عِبَر
رأيت الحياة كماء السماءِ
تُغذِّي النباتَ وتُحْيي الشجر
فينمو وتأتي عليه الرياحُ
فلم تُبقِ شيئًا به أو تذر
ومهما يَطُلْ عمره بيننا
فلابدَّ يومًا له من سَفر
وقد ينزوي بعد عمرٍ قصيرٍ
كما يذبلُ الغُصْنُ قبل الثمر
فلم يرحمِ الموتُ ضعف الكبيرِ
ولم يرحم الموت ضعف الصِّغَر
نظامُ التغيُّر عَمَّ الحياةَ
فما أيُّ شيءٍ أتَى واستقر
فيومٌ يجيء بظلٍّ وبردٍ
ويومٌ يَجيء بشمسٍ وحَر
ويوم نُساءُ بأفعاله
ويومٌ بتلك الفِعال نُسَر
وقد يفتح المرء بابًا لخيرٍ
ومن ذلك الباب يأتيه شر
لَبئس فِعال الحياة بنا
تُغير وتَقْذفنا بالشرر
مُحالٌ علَى أهلها أن ينالوا
مُناهم ويقضوا شَهيَّ الوَطر
فكم من فَتًى كان زينَ الشبابِ
رفيعَ الجناب عظيمَ الأثر
عَفيفَ اللسان فصيح البيانِ
أحاديثُه مثلُ عذب النَّهَر
قَضَى وانزوَى مثلَ بدرٍ هوَى
كأنْ لم يكن نوره قد ظهر
وكم من فتاةٍ عليها رواءٌ
وتُزْرِي محاسنها بالقمر
تفوق النجومَ سنًا وسناءً
وتأسر قلبًا بلَحْظِ النظر
أتاها القضاءُ فراح السناءُ
وغاب ضياءٌ لها واندثر
ومهما أخذنا لها حِذْرَنا
فليس يَردُّ القضاءَ الحذر
فمَنْ ذا يردّ قضاء الإلهِ
ومن ذا يعارض حُكْمَ القدر؟
فلو كان فيها خلودٌ لنا
لخلَّدَ فيها عظيمُ البشر
فأين الرسول وصِدِّيقُه
وأين عليٌّ وأين عمر؟
وأين الصِّحاب نجوم الهُدَى؟
توارت كما قد توارى القمر