جاءَتْ كحوريةٍ فستانُها السِحرُ
كأنها الشِعرُ .. لا بل إنها الشِعرُ
لولا النبيُّ الذي يتلو محاسنَها
ما كان يسجدُ في أوراقيَ الحبرُ
أشداقُها حمرةُ اللارنج، نظرتُها
مُرجانةٌ لاحَ من إشعاعِها بَحرُ
أخالُها قبَّلتْ ليلًا بفتنتِها
حتى تشكَّلَ من قبْلاتِها البدرُ
أخالُها طيَّرتْ أنفاسَها فإذا
السماء ينثالُ من غيماتها خمرُ
أخالُها لؤلؤًا حباتُهُ انتثرَتْ
في الكونِ فانبثقَ النيروزُ والنهرُ
كان اللقاءُ على صمتِ اللهيبِ فما
من مَوْقدٍ بدمي إلا بهِ جمرُ
ما حدثتنيَ لكنْ خِلتُها انشطرَتْ
ثغرين سيماهُما التّحنانُ والبِشرُ
ما عانقتنيَ لكنْ كدتُ أُشعِلُها
لفرط ما ذابَ من نظراتيَ الصَدرُ
في نحرِها ساترٌ أعياه ملمسُها
عِقدٌ تدفَّقَ من أعطافِهِ الشَعرُ
يَبتزُّ صبريَ في تمويجِ خصلتِها
وهل يُطاق لنحرٍ هكذا صَبْرُ!؟
أنا المُبشَّر في سِفر الحنان فهلْ
يؤكدُ الحظُّ ما قد قالهُ السِفْرُ!؟
أُصغي إلى لعنةِ الأقدارِ مُنبهرًا
ما لم تقلْهُ الأماني قالَهُ القَهْرُ
يا فتنةً أيقظتْ روحًا توسَّطها
موتٌ وطافَ على أطرافِها قَبْرُ
في الجوفِ من شهقةِ الخذلان ما عجزتْ
عن لفظِهِ رئةُ السلوانِ والثَغرُ
حلمٌ، وتوقٌ، وأهدافٌ مُحتَّمةٌ
وناتجُ العينِ في تحقيقِها صِفرُ
يَرتدُّ صوتُ الغِنى من بئرِ حنجرتي
والحالُ؟! ما الحالُ إلا البؤسُ والفقرُ
أحببتُ يا ظُلمةَ الألحانِ فانتقمي
يا شمسُ ثم اعزف الأفراحَ يا فجرُ
أحببتُ يا مكرَ بيتِ الحالمينَ فخذْ
في كفِّكِ البابِ واخرجْ أيُّها المَكرُ
أحببتُ لكنني ما زلتُ مُعتنِقًا
شكًا تمخَّضَ من تسآلِهِ الهَذْرُ
لِمَ الغرامُ إذا يأتي يُخلِّصني
من المواجعِ كالتخديرِ، ما السرُّ!؟
تُرى جداول هذا الحب نابعةٌ
من مَنحلِ الخُلْدِ أم أنَّ الهوى مُرُّ!؟
وهل يكون انتحارًا لو قذفتُ يدي
على العناقِ الذي يذوي لهُ الصخرُ!؟
ريحانةُ العقلِ أنتِ الآنَ فازدهري
في حقلِ أسئلتي فالغايةُ الزَهْرُ
كوني على دفترِ الأوجاع أقربَ لي
من فكرتي عندما يغتالُها السطرُ
كوني بنفسجةً تنمو كتهدئةٍ
في موضعِ الجُرح حيثُ اليأسُ والذعرُ
من ها هنا يَكشفُ المعنى تورُّدَنا
إذا تنصَّلَ من أوجاعنا العِطرُ
ويكسر الوَعيُ أصنام القبيلةِ إذْ
في عشقنا يَستقرُّ العارُ والفخرُ
ورديةٌ هذه الأحكام، فلسفةٌ
ذاتُ ابتكارٍ وفي أعماقها درُّ
قد يُخلَقُ النُبلُ في أمشاجِ معصيةٍ
ويُنقِذ الروحَ من سوءاتِها العهرُ
وقد تقولين: مجنونٌ! ولا حرجٌ
ولا امتعاضٌ، ولا نَهرٌ، ولا زجرُ
الساقُ إن لم تعد للهزل راكلةً
أطماعَ دربيَ في الدنيا لها البترُ
دمُ الحياءِ الذي سخَّرتُ نبضَتَهُ
للخيرِ ما عاد في إبقائهِ خيرُ
نعم أنا صرتُ معتوهًا وبِعتُ دمي
حتى وإن أفلسَتْ روحي، أنا حرُّ
أطلقتُ في داخلي المجنونَ حين
عرفتُ أنَّ عقليَ مخدوعٌ ومُغتَرُّ
لو الجنون عثا في بهجتي أبدًا
ما نالَ من بهجتي ما نالَهُ الفِكرُ
جوري على عِفَّة الأفكارِ وانتصري
للعُهرِ فالعدل في ميزاننا كفرُ
أنا الجريح الذي لم يُسقِ غايتَهُ
ماءَ الفضيلةِ إلا أينعَ الغدرُ
وكنت أحسبني كالغيبِ مُرتفعًا
عن هُوَّةِ الشر لولا مسَّني الضُرُّ
كتبتُ نَذْرًا: سأحيا العمْرَ مُجتهِدًا
وكدت أنسى -لفرط الجهْدِ- ما النذرُ!؟
صرختُ في وجه أقداري: كفى ألمًا
كفى خطوبًا، كفى ضَيْمًا، لِمَ القَسرُ!؟
وكاد يطغى على وقتي القنوط كما
طغَتْ على يوسفَ الأغلالُ والبئرُ
ها أنتِ تأتين تِرياقًا إلى شغفٍ
ما انفكَّ يَلهثُ لاسترجاعهِ العمرُ
أراكِ في كل أنحاءِ القصيدةِ
كالقصيمِ يَكتظُّ في أفنانِها التَّمرُ
أظنّكِ ازددتِ في شعري لتنتقمي
عن الرؤى عندما أزرى بها الطهرُ
عن الفؤادِ وقد شظَّتْهُ راجمةُ
الحنينِ وانحازَ عن إسعافِهِ الهَجرُ
اليومَ أنتِ ملاكي؛ أسعفي جسدي
أو اسلبيهِ من الدنيا .. لكِ الأمرُ!
لن يقبلَ القلبُ طغيانًا سواكِ ففي
نهديك يحلو لهُ التنكيلُ والأسرُ
ما دمتِ يا أجمل الأقدار لي وطنًا
فكلُّ عسرٌ -إذا أحببتِهِ- يُسرُ
إنْ كانَ ما ثَمَّ أزهارٌ تُحرِّضُني
على الحياةِ فثمَّ النَّصلُ والنحرُ
لا شك أنَّ طلوعَ الروح أمنيةٌ
بعينِ من عاثَ في وجدانِهِ الدهرُ
اليومَ أنتِ ملاكي فاسقطي مطرًا
على فَلاةِ الرضا كي ينبت الشُكْرُ
مشيئةُ العشقِ حَبْلُ اللهِ يرفعنا
للصفحِ عمَّا جناهُ الكرُّ والفرُّ
كأنَّكِ الآنَ ما بيني وبين يدي
جئتِ اعتذارًا من الدنيا، فما العذرُ!؟