عَذِيرِيَ مِنْ بُعدِي الرَّجَا والتَصَبُّرُ
وبُرئِيَ مِنْ حُزنِي الدُّمُوعُ وَأَكْثَرُ
أَحِنُّ إِلى نَجِدٍ .. فَرَغمَ جَفَافِها
لَهَا مَوعِدٌ فِي الغَيمِ لا يَتَأخَّرُ
وإِنَّ قَلِيلَ الماءِ يَكفِي إِذا هَمَى
لِتَشرَبَ مِنْ قَلبِي النُفُودُ وتُزهِرُ
وَهَبنيَ غَادَرتُ الذي لا أُحبُّهُ
فَكَيفَ وَحُضنُ الأهلِ لا يَتَكرَّرُ
وَكَيفَ وَكُلُّ الذِكرَيَاتِ تَشُدُّنِي
عَلى صَوتِ (عَبدُو) حَينَ غَنَى (تَذَكَّروا)
فَكُلُّ الأغَانِي حِينَ يَجرَحُ شَجوُها
لَها فِي شِغَافِ القَلبِ عَزفٌ مُدَمِّرُ
أَنَا.. مَنْ أَنَا؟ فِي بَلدَةٍ لا تُحِبُنِي
أَذُوقُ سِياطِ الخَوفِ والكُلُّ يَنْظُرُ
وتَفْضَحُنِي عِندَ التكلُّمِ لَكْنَتِي
فَكلُّ غَريبٍ حِينَ يَنْطُقُ يُحقَرُ
قَريبَةُ أَحزَانِي .. وَأُمي بَعِيدَةٌ
ودَمعِي مَفضُوحٌ وَلَو كُنتُ أَستُرُ
قَميصِيَ يَعلُو يَرتَجِي أَي نَسمَةٍ
بِها مِن عُطًورِ الشَرقِ مِسكٌ وَعَنبرُ
أَحنُّ إِلى أَهلِي حَنِينِي إِلى الصِّبَا
إِلى أَولِ الخُطُواتِ .. وَهِي تَعَثُّرُ
إِلى طِفلَةٍ فِي الدَّارِ تَسأَلُ أُمَهَا
أَحَقاً إِذا مَرَّ الزَمَانُ سَنَكبُرُ؟!
أَحَقاً سَيقضِي الدُهرُ فِينَا تَفَرُّقاً
وَيَنْتَثِرُ العِقدُ الذَي لَيسَ يُنثَرُ؟!
أَرَى فِي المَرَايا .. مَا أَرَى .. ثُمَّ أَنثَنِي
فَمَا ثَمَّ شَيءٌ فِي المَرَايا يُبَشِّرُ
يُسَائِلُنِي الفُنجَانُ بُنّاً مُشقّراً
وَمِنْ أَينَ فِي الغُرُبَاتِ بُنٌّ مُشقَّرُ
أَلا يَا خِبَاءَ البَدوِ خُذنِي فَإِنَّنِي
بِرَغمِ ثِيابِ الحَضْرِ لَا أَتَحضَّرُ
عَرفتُ مِن الدنيا التجارُبَ والهَوى
وظَلَّ الهَوى فِي القَلبِ يَنهى ويَأمُرُ
وإنْ فَسَّرَ الباقونَ مَا لَوعةُ الهَوى
أَرانِي ونَجداً.. لَوعةٌ لا تُفسَّرُ
ولَستُ سِوى مَسجُونةٍ بِخَيالِها
فَحُريَتي فِي البُعدِ لا تَتَحَرَّرُ
تُؤَطِرُنِي الذكرَى وبِروَازُها دَمِي
وأَخشَى عَلى نَفسِي إِذا قَيلَ يُكسَرُ
بِرُوحِي حَنِينُ النوقِ شُدَّ مَطِيُّها
لِرحلَةِ تِيهٍ لَيس عَنها تَقَهْقُرُ
بِرَغمِ أَسى التِرحَالِ أَسلُو بِخَطوَتِي
فَما دُمتُ أَمشِي ثَمَّ مَا لَيسَ يُحصَرُ
وَهَا أَنَا ذَا وَحدِي أُنَاكِفُ وِحدَتِي
وَمَا زِلتُ أَهجُوهَا فَتعفُو وتَغفِرُ
هُنَا فِي صَبَاح البُعدِ لا الشمسُ شَمسُنَا
وَلا البُلبُلُ الحَيرانُ يَشدُو فَيُسكِرُ
لِقَهوتِكِ السودَاء يَا بِنتُ لَسعةٌ
فَذُوبِي بِها شَوقاً .. فَطعمُكِ سُكَّرُ