تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

١٠٤ بيت

المتفرقات

كُنَّ خَمْسِيْن.. ( ٢ - ٢ )

كُنَّ خَمْسِيْنَ اِمْرَأَةً بِالْتَّمَامِ وَالْكَمَالْ،

وَكُنْتُ أَعلَمُ أَنَّكِ فِيْ خَرِيْفِ الْعُمْرِ، وَأَنَّكِ نَاضِجَةْ.

لَكِنَّ الْعَطَاءَ الْفِكْرِيَّ وَالنُّضُوْجَ الْعَقْلِيَّ لا يَهْزِمُهُ الْخَرِيْفُ سَيِّدَتِيْ.

قَدْ يَهْزِمُ الْخَرِيْفُ اِمْرَأَةً حَزِيْنَةً مُسْتَسْلِمَةً لِلْيَأْسِ وَالْقُنُوْطِ، وَقَدْ يَحْيَا عَقْلُهَا وَجَسَدُهَا بِكَلِمَةِ حُبٍّ دَافِئَةٍ، أَوْ بِلَمْسَةٍ حَانِيَةٍ، لِيُزْهِرَ رَبِيْعَاً مِنْ جَدِيدْ.

لا أَجْمَلَ مِنْ اِمْرَأَةٍ فِيْ خَرِيْفِ الْعُمْرِ، تَضِجُّ رَبِيْعَاً وَلا تَعلَمُ أَنَّهَا كَذَلِكَ.

رُبَّمَا تَجْرِبَةٌ مَرِيْرَةٌ هَزَمَتْهَا، وَرُبَّمَا تَجْرِبَةٌ مُقْبِلَةٌ سَتَنْتَصِرُ فِيْهَا عَلَىْ ذَاتِهَا لِتُرَفْرِفَ رَايَاتُ الْفَرَحِ وَالْحُبِّ فِيْ عَيْنَيْهَا، وَإِنْ رَفْرَفَتْ هَزَمَتِ الْخَرِيْفَ، وَاِكْتَنَزَ الشَّوْقُ فِيْ شَفَتَيْهَا خَمْرَاً وَعَسَلاً، وَأَثْمَرَ الرَّبِيْعُ فِيْ غُوْطَتَيْهَا فَوَاكِهَ مُشْتَهَاةْ.

وَالتُّوْتِ وَالتِّيْنِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ،

سَتَكُوْنُ أَجْمَلَ مِنْ غَزَالٍ بَهِيْ،

وَأَرَقَّ مِنْ صَبَاحٍ نَدِيْ،

وَأَشْهَىْ مِنْ قُبْلَةِ طِفْلٍ شَقِيْ.

فَاِصنَعِيْ يَوْمَكِ، وَاِسْبِقِيْ غَدَكِ،

فَالْعُمْرُ فَانٍ سَيِّدَتِيْ،

فَعِيْشِيْ - مِنْهُ - مَا بَقِيْ.

وَالسَّعَادَةُ - عَاجِلاً أَوْ آجِلاً - سَتَنْقَضِيْ..!

كُنَّ خَمْسِيْنَ اِمْرَأَةً بِالْتَّمَامِ وَالْكَمَالْ،

وَكُنْتِ جَمِيْلَةً كَفَرَاشَةٍ،

وَشَهِيَّةً كَتُفَّاحَةٍ،

وَمُثِيْرَةً كَقَصِيْدَةْ..!

حِيْنَ حَلَّقْتِ فِيْ غُرفَتِيْ،

وَفَتَّشَتْ شَفَتَاكِ عَنْ شَفَتِيْ،

قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ طُقُوْسَ الْكِتَابَةْ..!

وَهَا أَنَا الآنَ،

أَكْرَهُكِ كَالْحُمَّىْ،

فَارحَلِيْ..

قَبْلَ أَنْ تَرمِيْكِ اِمْرَأةٌ،

لَوَّحَتْ لِيْ هَذَا الصَّبَاحْ.

جَمِيْلَةٌ كَفَرَاشَةٍ،

وَشَهِيَّةٌ كَتُفَّاحَةٍ،

وَمُثِيْرَةٌ كَقَصِيْدَةْ..!

سَتُحَلِّقُ فِيْ غُرفَتِيْ،

وَتُفَتِّشُ عَنْ شَفَتِيْ،

قَبْلَ أَنْ أبْدَأَ طُقُوْسَ الْكِتَابَةْ..!

كُنَّ خَمْسِيْنَ اِمْرَأَةً بِالْتَّمَامِ وَالْكَمَالْ،

وَكُنْتُ قَبْلَ أَنْ أَنَامْ،

أَخلَعُ صُوْرَتَكِ مِنْ عَقْلِيْ، وَأَضَعُهَا تَحتَ الْمَخَدَّةِ كَيْ لا تَأَتِيْنِيْ فِي الْمَنَامْ..!

وَبَعدَ أَنْ أَغفُوْ بِقَلِيْلٍ، تَخْرُجِيْنَ مِنْ تَحتِ الْمَخَدَّةِ

وَتَدخُلِيْنَ إِلَىْ عَقْلِي الْبَاطِنِ لِتَمْنَعِيْهُنَّ مِنْ زِيْارَتِيْ فِي الْمَنَامْ..!

هَكَذَا بِبَسَاطَةٍ، اِكْتَشَفْتُ غَيْرَتَكِ الشَّدِيْدَةَ ذَاتَ لَيْلْ،

حِيْنَ تَظَاهَرْتُ بِالنَّوْمِ، وَرَأَيْتُكِ تَتَسَلَّلِيْنَ مِنْ تَحتِ الْمَخَدَّةِ لِتَدْخُلِيْ عَقْلِيَ الْبَاطِنَ،

مُرتَدِيَةً قِنَاعَكِ وَكَأَنَّكِ فِيْ حَفْلَةٍ تَنَكُّرِيَّةْ..!

هَذِهِ الْلَّيْلَةَ..

سَأَخْلَعُهُنَّ مِنْ عَقْلِيْ،

وَأُبْقِيْكِ أَنْتِ وَحدَكِ لأَنَامَ مُرْتَاحَاً دُوْنِ حُلمْ.

أَعتَقِدُ أَنَّ هَذَا يُرْضِيْ غُرُوْرَكِ وَغَيْرَتَكِ، أَيَّتُهَا الْمَرأَةُ الْمُتَسَلِّطَةُ.

فَنَامِيْ وَقَرِّيْ عَيْنَاً هَذِهِ الْلَّيْلَةْ..!

كُنَّ خَمْسِيْنَ اِمْرَأَةً بِالْتَّمَامِ وَالْكَمَالْ،

وَلَمْ يَكُنْ حُلْمَاً حِيْنَ نَزَلْتِ بِفُسْتَانِكِ الأَبْيَضِ مِنْ سُلَّمِ الطَّائِرَةْ.

فَقَفَزَ الْقَلْبُ وَسَبَقَنِيْ إِلَيْكِ حَافِيَاً فِيْ صَالَةِ الاِسْتِقْبَالْ،

وَحِيْنَ مَدَدتُ يَدِيْ لأُسَلِّمَ عَلَيْكِ، عَادَ إِلَىْ قَفَصِي الصَّدْرِيِّ لاهِثَاً كَعُصفُوْرٍ صَغِيرْ.

لَنْ أَقُوْلَ لَكِ إِنَّنِيْ أُحِبُّكِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَصبَحَتْ بَالِيَةً،

وَلَمْ تَعُدْ تَكْفِيْ ثَمَانِيْ عَشْرَةَ سَنَةً مُنْذُ نُزُوْلِكِ مِنْ سُلَّمِ الطَّائِرَةِ، وَاِحتِلالِ جَسَدِيْ وَعَقْلِيْ بِأُنُوْثَتِكِ السَّاحِرَةْ.

سَأَقُوْلُ لَكِ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ مَا هُوَ أَعظَمُ مِنْ كَلِمَةِ أُحِبُّكِ.

فَإِنْ قُلْتُ لَكِ بِأَنَّكِ

الْمَاءُ،

وَالْهَوَاءُ،

وَالْقَصِيْدَةُ،

فَصَدِّقِيْنِيْ؛

لأَنَّنِيْ دُوْنَكِ سَأَخْتَنِقُ مِثْلَ سَمَكَةٍ صَغِيْرَةٍ،

وَأَمُوْتُ مِثْلَ فَرَاشَةٍ،

وَإِنْ لَمْ تَكُوْنِيْ دَاخِلَ كُلِّ قَصِيْدَةٍ فَلا مَعنَىْ لاِسْمِيْ أَيَّتُهَا الرِّئَةُ الثَّالِثَةْ.

وَإِنْ قُلْتُ لَكِ بِأَنَّنِيْ كَرِهْتُكِ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَدِّقِيْنِيْ أَيْضَاً؛

لأَنَّنِيْ أَبْدُوْ أَمَامَ حُبُّكِ قَزَمَاً لا أَسْتَطِيْعُ رَفْعَ رَأْسِيْ لأَنْظُرَ إِلَىْ قَامَتِكِ الْعَالِيَةْ،

فَأَنَا مُصَابٌ بِفَيْرُوْسِ حُبِّكِ،

وَأَنْتِ اللَّقَاحُ الَّذِيْ لا يُمْكِنُ أَنْ أَسْتَغْنِيَ عَنْهُ لَيْلَةً وَاحِدَةْ.

وَكَرِهْتُكِ أَيْضَاً" لأَنَّكِ طِيْلَةَ الثَّمَانِيْ عَشْرَةَ سَنَةْ،

تَحَمَّلْتِ ثَوْرَاتِ جُنُوْنِيْ،

وَنَزَقِيْ،

وَقَصَائِدَ غَزَلِيْ لَهُنَّ،

وَعَصَبِيَّتِي الزَّائِدَةْ.

فَصَفَحتِ، وَبَكَيْتِ وَحِيْدَةً كَيْ لا أَرَىْ دَمْعَتَكِ الْحَارِقَةْ..!

وَلأَنَّنِيْ سَكَنْتُكِ طَائِعَاً غَيْرَ نَادِمٍ، فَأَصبَحتِ بِضْعَةً مِنِّيْ

وَكَانَتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحمَةُ بَيْنَنَا،

وَشَيْءٌ آخَرُ لا أَعرِفُ لَهُ اِسْمَاً يَشُدُّنِيْ إِلَيْكِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَاءِ،

وَالْهَوَاءِ،

وَالْقَصَيْدَةْ؛

قَرَّرتُ أَنْ أَسْتَمِرَّ مَعَكِ إِلَىْ أَنْ يَخْطِفَ أَحَدَنَا الْمَوْتُ،

أَوْ نَمُوْتَ مَعَاً فِيْ لَحظِةِ عِنَاقٍ دَافِئَةْ..!

كُنَّ خَمْسِيْنَ اِمْرَأَةً بِالْتَّمَامِ وَالْكَمَالْ،

وَمَا زِلْتُ أَذْكُرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، كَيْفَ اِتَّكَأْتِ عَلَىْ كَتِفِيْ حِيْنَ كُسِرَ كَعبُكِ الْعَالِيْ.

خُصُلاتُ شَعرِكِ الَّتِيْ لامَسَتْ وَجْهِيْ كَانَتْ كَرِيْشِ الْعُصفورْ.

يَدُكُ الدَّافِئَةُ الَّتِيْ أَحَاطَتْ بِعُنُقِيْ، وَتَشَبَّثَتْ بِيْ كَانَتْ كَيَدِ طِفْلٍ صَغِيرْ.

عِطرُكِ الَّذِيْ مَلأَ أَنْفِيْ وَغَطَّىْ عَلَىْ رَوَائِحِ عَوَادِمِ السَّيَّارَاتْ.

وَشَيْءٌ غَرِيْبٌ كَانَ يَبْعَثُ فِيْ أَطرَافِي الْحَيَاةْ..!

يَوْمَهَا..

قَرَّرتِ أَنْ تَسِيْرِيْ حَافِيَةِ الْقَدَمِينْ،

وَرَفَضتِ أَنْ تَأْخُذِي "التَّاكْسِيْ"، أَوْ تَركَبِي "الأُوْتُوْبِيسْ".

كَانَتْ أَنْظَارُ النَّاسِ كُلُّهَا عَلَى الطَّرِيقْ،

وَكَيْفَ تَحَوَّلَ إِلَىْ بِسَاطٍ أَحمَرَ طَوِيلْ.

الْكُلُّ وَقَفَ فِيْ مَكَانِهِ مُتَسَمِّرَاً حِيْنَ لامَسْتْ قَدَمَاكِ الرَّصِيفْ.

كُنْتُ أَشْتَهِيْ أَنْ أَمْشِيَ مِثْلَكِ حَافِيَاً، لَكِنْ

خِفْتُ أَنْ يَغْضَبَ الْمَارُّوْنَ مِنّيْ، وَيَغْضَبَ الرَّصِيفْ،

وَخِفْتُ أَنْ أُفْسِدَ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ الْجَمِيلْ.

فَتَبِعتُكِ بِصَمْتٍ وَسُرُورْ.

وَحدَهُ شُرطِيُّ الْمُرُوْرِ مَنْ أَغضَبَنِيْ حِيْنَ أَطلَقَ صَافِرَتَهُ،

وَأَوْقَفَ السَّيَّارَاتِ كَيْ تَعبُرِي الشَّارِعَ،

وَحِيْنَ ذَهَبْتُ إِلَىْ مَمَرِّ الْمُشَاةِ لأَلْحَقَ بِكِ أَطلَقَ صَافِرَتَهُ

كَيْ تُتَابِعَ السَّيَّارَاتُ الْمَسِيرْ..!

فَصَدَمِتْنِي شَاحِنَةٌ لَمْ أَعُد أَذكُرُ لوْنَهَا مَكْتوبٌ عَلَيْهَا (دَفْنُ الموْتَى)،

حَمَلَنِيْ سَائِقُهَا ذُو السَّحْنَةِ الدَّاكِنَةِ وَرَمَانِيْ في صُنْدُوقِهَا دُوْنَ أنْ يَلتَفِتَ إليَّ أَحَدْ،

كُنْتُ أَتَمَنَّىْ أَنْ يَرَىْ قَدَمَيْكِ الْحَافِيَتَيْنِ لِيَتَسَمَّرَ فِيْ مَكَانِهِ، وَأَتَمكَّنَ مِنَ الْهَرَبْ.

لَكِنْ هَيْهَاتَ، هَيْهَاتْ.

كَانَتْ قَدَمَاكِ تَفْرِشَانِ الْمَدِيْنَةَ بِبسَاطٍ أَحمَرَ،

وَكُنْتُ أَنَا فِيْ صُنْدُوُقِ السَّيَّارةِ الأَسْوَدِ بِاتِّجَاهِ الْمَقْبَرَةْ..!؟