اعصفي يا رياحُ من حيثما شئتِ وعفِّي الطلولَ والآثارا
وانسفي يا رياحُ آيةَ هذا الليل حتى يحورَ ليلاً سِرارا
وازأري يا رياحُ في حرم الدهر زئيرًا يزلزلُ الأعمارا
اعصِفي وانسفي كأنك سُخِّرت خبالا يساور الأقدارا
اعصفي وازأري كأنك غيرَى قذفت حقدَها شرارًا ونارا
اعصفي كالجنون في عقل صبٍّ هتك الغيظُ عزمَه والوقارا
اعصفي كالشكوك في مُهجة الأعمى تخاطفْنَ حسَّه حيث سارا
اعصفي كالفناء ينتسِف الأوكارَ نسفًا ويصرع الأطيارا
اعصفي كالضلال يسخر من هادٍ أذلَّ القِفار علمًا، وحارا
اعصفي كالأسى أفاق من الصبر فلم يستطع قرارًا، وفارا
اعصفي وانسفي، فما أنت إلا نعمةٌ تنشئُ الخراب اقتدارا
عالمٌ لم يكن ولا الساكنوه غيرَ أشباحِ نقمةٍ تتبارَى
اعصفي يا رياح غضبَى بإعصارٍ من المقْتِ، جاحمًا
هدَّارا
كيف أبصرتِ ما طويتَ من الدنيا بليلٍ، وما اخترقتِ نهارا؟
اشهدي هل رأيت عقلاً ونُبلاً أمْ جنونًا يؤمُّ خزيًا وعارا؟
وخفايا من الخبائث تسعى، وحُقودًا من الخنَى تتمارى
وأساطيرَ حيةً ألبسَتْها قَينةُ الدهر ثوبَها المستعارا
وأباطيلَ دلَّستْها أكاذيبُ، فأضحت هدًى وأمست منارا
ومطايا تخوض في لُجج الظلم بركبٍ لا يسأمون السِّفارا
وأذلاءَ يشمخون من الكِبْرِ وهم في القيود حسرَى أُسارى
ودمًى لم تزل تسير اضطرارًا في غرورٍ ينفي المسيرَ اضطرارا
وبقايا فرائسٍ لم تكدْ تنبضُ حتى أُحدَّتِ الأظفارا
ودنايا تختالُ في زُخرف البطشِ تخالُ الأقدارَ منها غيارى
في حياةٍ مخبولةٍ أسكرتْها شهواتٌ تبقى وتُفني السُّكارى
كل شيءٍ مسَّتْه يطغى فلا يزهدُ طبعًا ، ولا يعِفُّ اختيارا
انصتي يا رياح صرخةَ ملهوفٍ طعينٍ أفنى الليالي انتظارا
هامَ يستنفض الغيوبَ وحيدًا دامياتٌ جراحُه لا تُوارى
كلما ظنَّ في دواءٍ شفاءً، عاد داءً يُدمي جراحًا عذارى
أفرارًا من الجراح تداويهنَّ؟ كلا! أيْقَنت أن لا فرار
سِرْ جريحًا رثّاً بآلامكَ الظمأى، وسائلْ إن استطعت جوارا
غرق العالمون في عَيْلم النور فأطفَا جهارَهم والسِّرارا
شرِقوا شَرقةً بما حصَّلوه، ذَبحتْ علمَهم فغاروا وغارا
أين؟ لا أين! يا رياحُ أجيبي مزِّقي الحُجبَ وانزعي الأستارا
مَنْ مجيبٌ إلاكِ، كاهنةَ الآبادِ، في هيكلٍ تقادم دارا
شاد عُبّاده المحاريبَ إيمانًا، فملُّوا، فأعرضوا كفارا
سكروا، فانتشَوْا، فهَبُّوا يزفُّون إلى هيكل البقاء البوارا
أخلودًا وحكمةً، أم ظِلالاً وأحاديثَ تضحك السُّمّارا
ماردٌ في الثرى تُقلِّصُ عنه الشمسُ، يُمسي ثرًى يطير غبارا
أنصتي يا رياحُ ما أبشع الصوتَ! لقد سار في القرون
مسارا
أحنينًا أم صرخةً، أم أنينًا، أم مُكاءً أم عولةً، أم جؤارا؟
أم تهاليلَ عاكفين على الأوثان عجُّوا لها وضجوا اعتذارا؟
أم زنوجًا توالغوا في الدم المسفوح دفُّوا وهلَّلوا استبشارا؟
أم مسوخًا من العواطف تَعوي سُخرًا من رِئائها واحتقارا؟
أم كشيشَ الشحناء، همَّتْ، وفحَّت وتنزَّى لعابها واستطارا؟
أم صليلَ الأحقاد طاشت عن الكظْم، فخاضت إلى التشفِّي الغمارا؟
أم هزيمَ اللذات في صخب النشوة، هاجت زفيرَها الفوّارا؟
أم وغَى السخريات في لغطِ الآلامِ تستصرخُ الدموع الغِزارا؟
أم عويلَ المنى البوالي على أجداث همٍّ مضى وأبقى تَبارا؟
أم تسابيحَ خاشعين من التقوى أسرُّوا من خشيةٍ إسرارا؟
أم تكاذيبَ بل تكاذيبُ هل تبصر إلا الهداةَ والأبرارا؟
قد أرادوا أن يجتنوا ثمر الخيراتِ حلوًا فصادفوه مُرارا
انظري يا رياحُ ذا القبسَ الوهّاج قد راوح الفناءَ
اقتدارا
عاش تحت الأطباق دهرًا فدهرًا يتلوَّى بثقلهِنَّ انبهارا
كلما رام منفذًا ردَّدته في ظلام الأعماق يعنو صَغارا
لم يزل دائبًا يُنقِّب ملتاعًا ويحتالُ في صفاها احتِفارا
صدعَ الصخرةَ الململَمَة الكبرى، وأسرى، حتى نما فاستطارا
ورأى نورَه فجُنَّ من الفرحة أعمَى رأى الظلام نهارا
أيُّ شيءٍ هذا؟ وما ذاك؟ بل هذا وزاغت لِحاظُه استكبارا
قد رأى عالمًا مَهُولاً من المجهول، غشّاه نورُه فاستنارا
ليس يدري أهم عِدًى أم صديقٌ؟ أيُبينون لو أراد حوارا؟
أم صُموتٌ لا ينطقون، ازدراءً لغريبٍ عنهم أساء الجوارا؟
واغلٌ يعتدي يُسائل عن أسرار خلقٍ أجلَّ من أن تُثارا
كيف غرَّته نفسُه؟ كيف ظنَّ الغيب يُلقي لثامَه والخمارا؟
أملٌ باطل فلو أسفر الغيبُ
لأعمى بنورِه الأنوارا