هاجتْ رياحٌ في الشمال تجولُ
وتقدَّمت ريحُ الجنوب تصولُ
وتناوحتْ حتى كأنَّ هبوبَها
فرسانُ حربٍ أقبلت وخُيول
هبَّتْ وقد جعل الغمام ظليلَها
فكأنّما هو قسْطلٌ مشْبول
والبرقُ في أفق السماء كأنّه
بين الرياح أسنَّةٌ و نُصول
والغيمُ في أوْجِ الفضاءِ كأنّه
درعٌ عليه مزْردٌ مقفول
و نما الضبابُ على الهضابِ مُعمِّماً
قممَ الجبال كأنّه إكليل
وتزاحمت فرَقُ السّحاب وقد بدا
للرعد في وسط الغيوم صَهيل
ما زالتِ الأنواء يخبط جيشها
حتى عرا جيشَ الضياء أفول
والشمسُ قد كُسفتْ بشهر محرَّمٍ
وجرتْ على إثْر الكسوفِ سيول
وتكاثف النّوءُ الشّديد وقد أتى
صَفَرٌ بِغُرَّته الرياحُ تجول
و بجمعةٍ في ثالثٍ منه أتى
ثلجٌ يطوف على البطاح ثقيل
ثلجٌ عجيبٌ ما رأينا مثله
كلاّ ولم يُخبرْ به منقول
متدفِّقٌ متزايدٌ يومين مَعْ
ليلٍ تتابعَ هطْله الموصول
عمَّ الجبالَ كذا البطاحَ جميعَها
و تعمَّمتْ منه رُبًا وسهول
واشتدَّ هذا الثلج حتى لم يكن
من هوله لابْنِ السبيل دخول
قد لازم النّاس البيوتَ مخافةً
يوماً وكلٌّ بالدُّعا مشغول
وانسدَّتِ الطرقاتُ حتى ليس بي
نَ الجار والجار القريب سبيل
كم قريةٍ أضحتْ به مغمورةً
ما بان منها منزلٌ وطُلول
و بجِلَّقٍ لما أناخ ركابَه
مُلئتْ بَواديها به وتُلول
للّه كم من أنفسٍ هلكت وكم
من مَربعٍ غَضٍّ علاه ذبول
ولفرطِ شدّتِه وهولِ مصابهِ
حارت به أبصارنا وعقول
و عَرا الأنامَ مخافةٌ لما دنا
خطبٌ جسيمٌ بالثلوج جليل
فتصايحتْ تلك الخلائقُ بالدُّعا
لله فهْو الحافظ المسؤول
شمل الأنامَ برأفةٍ نلنا بها
أمْناً وزال الهمُّ والتَّنْكيل
والشمسُ قد كُسفت فقلت مؤرخاً
ثلجٌ أتى وبه الكُسوفُ دليل