كان يا ما كان
في فردوس الطفولة،
وفي الأماسي البعيدة،
قبل أزمنة الكهولة،
ذات ليلٍ مظلمٍ عقيم
كأنهُ بوابة حديد صدئة
هي مدخل الجحيم
وحولها الأطفال تهيم
حدّ احتراق الطفولة!
كان يا ما كان…
قمرٌ تداعبهُ عتمة السنين…
أجل يا نسرين،
وأنا بسراديب الزمان
ما زلت أتذكر
بأسىً وحرقةٍ وحرمان
ما زلت أتذكر
رغم ضبابي السديم
ذات ليلٍ مظلمٍ عقيم
مثل رجلٍ عجوزٍ عاقر
ما تقلَّد كالعذارى فضة البدر
أني نظرت في عميق الغور
فرأيت مما رأيت في قفص الصدر
ألماسةً حبلى بكنوز الخير؛
فانوساً يضيء طريق الغير!
أما الآن يا نسرين،
قلبي مسخٌ حزين،
يخونني في كلّ حين
إذ يحتسي خمور الشرّْ
أمسى فؤادي خربا،
في حانة الليلِ كروحٍ لعينة،
لا تكفيهِ أقداحكِ، يا ألذَّ قنينة!
وما عاد في الهوى طربا!
أمسى كنوزًا من حسدٍ وضغينة؛
نارًا من رمادٍ لا تعرف السكينة!
لا يضمر لأحد خير؛
مسخٌ مظلمٌ يترصد طرقات الغير.
كان يا ما كان
في فردوس الطفولة،
وفي الأماسي البعيدة،
قبل أزمنة الكهولة،
براءةٌ أعذب من مائيّ الوتر
ما كان قلبي حجر
لكنما مرَّ الزمان
أذاقني ذلاً… هوان
وغاب عني القمر،
وعرفتُ ظلم البشر
أصبحت كالشيطانِ
عينًا تقدحُ بالشرر.
آه يا نسرين المزهرة
يا أنشودة أسكرت بعطرها
زنابق الماء في سويعات السحر
كم كنت مستضعفًا كالأرانبِ
في غابات الفولاذ والحجر؟!
ما استذئبتُ أمام ردائك الأحمر
كرجال الأعمالِ
أو مثل صعاليك الغجر،
فسلختُ نفسي
من قوالب نصّها الشعريّ
مثل لآلئ في حقل الكآبة تُنتَثر
وذبحتها بألفِ ألفِ خنجر
كالفسقةِ الغزاة المستعمرين
ما رحمت وريد المنحر
يهطلُ كغمامةٍ تسقي بدمائها
سَبَخة القريحة
ظمأً لمعجزةِ الثمر!
في وجودٍ قَدَّسَ الجريمة
في وثنيّ الشعائر
ما أكثر الضحايا والمجازر
رغم العظات والعبر
باسم العلمِ والرقي في المختبر
للمنطقِ الزائف غرفُ مرايا
كلُّ الحقائق فيها تتكسر
ومأساتي كبسطاءِ البشر
ما امتلكت مفاتيحها
لأبيع للعطاشى
في هجير الصحارى
ماءً ذراتهُ ملح الحجر!
لست فقيهًا يثمرُ الفتاوي
من شمس المنبر
وما نشأتُ معجمًا
بسحر البيان العظيم
يفسرُ ما لا يفسر
أنا مجردُ قلبٍ صريع
لعوامل التوتر
أمام جثمان ماضٍ
بآلة الزمن لن يتغير
يحصي ما بقي من النبضات
كأنها قدرٌ مقدر!
وإن افتقرت الفصاحة
وما عثرت على معبر
وتعمقتُ في ظلمة الغابة
لأذوق التوت المسموم
قبلةً من جنيّة الشر
ونسيتُ كالأطفالِ دهرًا
ما تعنيهِ صلاة الفجرِ
في وعثاء السفر
من حقنا يا عشقي الأليم
شكوى المصير الأليم
ولربما تبرير
ما خِيل أنه لا يبرر
في كتاب الجحيم
بعض الأرواح يا نسرين
منذورةٌ إلى سقر!
كان يا ما كان
في فردوس الطفولة،
وفي الأماسي البعيدة،
قبل أزمنة الكهولة،
نورٌ يمنحني وجه الإنسان
ومرت السنين العجاف
قطاراتٍ محملة بأفيون النسيان
من أطفأ المشكاة
حتى فرخ الشيطان؟!
من أهدر شرنقة الإنسان
لقمةً لنيرانِ الأضاحي
في عيد نسيان؟!
كأن الإنسانية ملهاة أطفالٍ
في غابة الحيوان
ومن الندرة في الملاهي
حيث ترقص حوريات الجان
أن تلمح في هوامش النكران
بهجة بالغٍ في دوّامة الحصان
بعدما أمسى ساغبًا جوعان
يحلم بلا قيمة أو جدوى
بتراب الكنوز والغزلان!
آه يا نسرين الحزينة
في غيابك كم بكت روحي اللعينة
جوقة ضفادعٍ تنقنقُ بقبيحِ الفِكر!
في غيابك روحي دومًا سقيمة
بفراشات عثّ رجيمة
تزورها من رحم المقابر
محملةً برسائل الموتى الراحلين
داعيةً نبذ أوهامك والسفر
في مساءٍ مدوزنٍ بالحنين
بلا مظلةٍ تحت أجفان المطر
وحيدًا بلا يدٍ ترافقني
في ليلٍ خريفيٍّ حزين
بلا أمومةٍ حانية
تقود خطى الطفل للعالمِ الآخر
حيث الخلود في وطن اليقين
أوّاهِ هكذا الشأن يا نسرين:
"حكايتنا… عشقٌ بلا معنى
في معجم المستعربين"؛
بلا رأفةٍ أو زعم عفة
خُطّت علينا أقلام القدر،
مثل مغتصب رجيم
يترصد الأطفال بلا حذر!
والغربان تنعقُ من حولي
تلعنني على ساحل البحر
بماذا أدوّن هذا الشعر…
هذا الحزن الأكثر ظلمةً
من قلب كسرى وقيصر؛
الأشدّ وحشةً من وحدةٍ أبدية
في عتمة القبر
وبأيّ دم أحمر،
أنزفُ هذه القصيدةَ
المغموسة في وحل النثر،
والأكثر غدرًا وضرر
من مسموم الثمر؟!
آه يا نسرين
أما حدثتك عن قلب سجين كالدرر
بأصداف الواقع اليومي
وأسوارِ الموارد وأُطُر البشر
وتخومِ الغناء ورجع الصدى
حيث لا تسمع الحقَّ آذان البشر
وقرٌ… وقر
في خدر الطفولة، لطالما تذمر الكبار:
"ضريرةٌ أعين الفقر في قفرِ الخِيار
لكأنما كنوز الذهب شموسُ النهار! "
لم ندرك المعنى؛
كنّا مجرد أطفال صغار
وكنت أحلمُ كابن فرناسٍ
بأجنحةٍ من ريش،
تحملنا لما وراء البحار!
والآن بعدئذ أظلمت روحي الهزيمة
وجلست في القفراء كالضبّ الطريد
باحثًا بلا جدوى مثل متسولٍ شريد
عن شبحٍ ملائكي أو فردوسٍ مفقود
سارحًا تارةً في ملكوت الوجود
وتارةً أخرى في أساليب الانتحار!
أتأمل جمهور الأرواح الرامسة
تهرولُ كقطعانٍ ضريرةٍ يائسة
في مناجم الكدحِ ومجراتِ النقود
لعلها تحصدُ من نجمةِ الغنى
ما افتقرتهُ من نعمةِ الإبصار
كأن كنوز الذهب شمسٌ وحيدة
في كوكبٍ تشحُّ فيه الأنوار!
آه يا نسرين المرتاعة
أطلقي العنان لروحٍ فزعة
لا تحزني هادئةً وادعة
كجثةٍ متجمدة… كساكنِ البحار
إن ارتقيتُ طوعًا سفائن المنيّة
وآثرتُ كسقراطٍ كأسَ الانتحار
أنا جدارٌ آيلٌ لملاحمِ الانهيار
أسقمتهٌ غابةٌ من جذور الشروخ
وأصدأ الدهرُ منهُ أسياخَ الأفكار
ما عاد شيءٌ بجوهر الأغوار
يسلِّحني في مسرح الأعمار
أمام رغبةِ الخروج ووساوس الانحسار
ولو شَققتِ صدري يا نسرين
ستبكين… وتبكين… وتبكين
تنزفين من مُعذب الدمعِ الأنهار
أمام مقبرةٍ من الحمائم والأزهار!
آه يا نسرين
نحن كواكبٌ مظلمة المدار
تهرول في مجرات الفقر
حالمةً برؤوس المالِ الأخضر
بسراب التبر الأصفر
حيث نغولة المال مجهولة المصدر
ولأنّا منطفئين بلا جذوة جمر
منكفئين عن مكافحة الشرّ
مثل المتعبين الشاحبين من البشر
كزوارقِ عشاقٍ غاب عنها القمر
ولأنّا معتمين بلا معطف الأعذار
في عالمٍ من لبنة القروش والقار
كأن كنوز الذهب شموس الأنوار
وخطيئتنا الكبرى
ما أحسنّا إلا خلق الأصفار!
آه يا نسرين
نحن مساكينٌ بلا كسرة خبزٍ
أو لسانٍ معسول الثمر
لذا تسربلنا بعمى البصيرة
مُتلحفين بليلٍ من الأسرار
نكتمُ الصرخة في خندق الجهل
لئلا تسمعها غيلان السهل
أو تُتَّهم عصبةُ الأطفال الصغار
بجرمِ بروميثيوس وسرقة النار
آه يا حبيبتي المفقودة كفردوسِ الثوار
لقد هرمتُ في تحولات الروح بلا إنذار
تَسودُّ خلف كواليس الأستار
ما انطفأتْ شموعُ البراءة
من رياح العجزِ عاصفةً في بئرِ القرار
هو الطفلُ الذي كنتُ في كفنِ الاحتضار
منهكٌ من رحى عاشوراء
والعود الأبدي لمآسي كربلاء
تطحنُ المظلومين
بكل مسارح الأرض والأقطار
دومًا هي الجريمة ذاتها في كل حين
مهما تغيرت أو تعددت محافل المقنعين
ثمّة مصاصٌ للدماء في قلاع أثرية
يحتسي الخمرَ نبيذًا من دم القرويين
وبمثل أكاذيب أربانوس الثاني اللعين
يُكتَبُ دومًا تاريخٌ دمويٌّ حزين!
آه يا نسرين
في خندق السندات الوهمية والدولار
وعملاتٍ خضرٍ من كهوف العدم
تعصفُ مثل هائجات البحار
لا يتحالفُ الأحرار في عوالم الأشرار
والخوف من المنيةِ يخنقُ قلبَ الأخيار
لذا فزاعة الأخلاق المُثلى
وشبحُ الإنسانية في دنيا الاستكبار
درعٌ من حديد بسرديةٍ لا تنتهي
تلوكها كالعلكِ ألسنُ الاستعمار
نسرين أيتها المطوية
كالسكين في مُدية الهجر
لا أحبُّ انتهائي
زفرةً من مُحتضراتِ الجمر
أن أكون في قفص الضمائر
ببغاءً ملونةً مثل باقي البشر
يكرر مثل الشرائطِ القديمة…
كأسطوانة الحاكي ذات الإبر
ما تذيعه من إفكٍ نشراتُ الشرّ
تلك التي تجرح الأرواح بالقهر
بيد أني انتهيتُ وكلُّ شيءٍ تغير
في أزمنة السبعة مهرجين
أنى لجِيا
أن تحلم بالسلام
وغرامُ أشباهنا الحزين
لا ترهقهُ أثقال الخصام
في حبكة الروايات والأفلام!
منذ فجر الحكاية
ما حرستنا تهويدة احترام…
بلا فرصةٍ في مسرح الغرام
تُطحنُ سَحقًا من أفئدتنا الأحلام!
آه كم أشتاقكِ لو تعلمين
في سراديب عقلي القاتمة الصور،
كسجينٍ مشلول،
يشتهي الرقص تحت المطر!
ما عدت مثل الأطفال الصغار
حالمًا بقناديلٍ محمدية وملاحمٍ حسينية
أو آلام دوستويفسكية، في قبو الأغوار
تقود خطوي العاثر
إلى جنّة الربّ بمعراج الأفكار
كم تغير وجهي من تعاطي الخسارة
يطالعني مسخٌ قبيح السحنة
خلف العدسات المتسخة للنظارة
بشحوب مومياءٍ تفتقر النضارة
كلّ شيء بحراشف الروح وصفائحها
ملوّثٌ بالزيف في مفهوم الحضارة
وحكايا التاريخ البشري القذر
آه يا نسرينُ أرجوكِ لا تنظري،
لو نظرتِ، سيسوؤكِ منظري…
ما أقبح هذا المنظر!
ولسوف تُجرحين في الأعماق
كأنما بطعنة خنجر!
ما عدت أعرف وجهي في المرايا
قلبي المغلف بقصائد الهوى تغيّر
ما عاد يثمرُ أزرار النجوم
ليغرسها في قميص الليل
يَخِيطُها أهلّةً على أغصان الشجر
قلبي المشوّه بالجريمة والخشونة
ينبضُ بكل رعونة
بلا تردد أو حذر
بالمستنقعات المسمومة الخضر
ويقيء طحالب العفونة
ليفسد صلاة الفجر وأدعية السحر
قلبي الذي خسر كروسيٍّ مقامر
ينبضُ بالأحقادِ والضغينة
وفلسفةٍ تشاؤمية لعينة
تخيفُ في القبرِ أرتور شوبنهاور!
كم تغيرتُ كثيرًا
لم أعد طفلاً صغيرًا
يغزل البسمة خيطانًا
على رسم القمر
ويخالُ الشعر أو عزف الوتر
سلمًا يصعد بي نحو السماء
خارجًا من زنازين البشر
كم تغيرتُ كثيرًا
كل أخشاب الصغر
تلك القديمة
كأصنام الشمس والقمر
في معبدٍ محطم
بُليت… تعفنت…
واستبدلت لفرط الضرر
مثل الحقيقة الأليمة
وراء سفينة ثيسيوس
واختلاف هويتها القديمة
شبح لما كانت وما عادت
وما العقلُ إلا نصٌّ تغير
إن الهوية ذاتها لا تستمر
مهما الدهر تكرر
كدورةِ الكواكبِ حول محور!
كم تغيرت كثيرًا
حين انطفأت بيدي شموع الصغر
كفسيفساء العفونة في الثمر
مرتحلاً في وحل الخنازير
حافيًا بلا جزمةٍ مقاومةٍ للمطر
لقد غيرتني مفترقات الدروب
متعثرًا بشياطين البشر
غيرتني الخرائط التي رسمتها
بدم الوقت وآثماتِ الصور
كلّ قراراتي خاطئة يا نسرين
كأني في قمار الحياة
ابن ملجمٍ آخرٍ لعين
شقيٌّ أضاع مصباح اليقين
وحظّ الشياطين المجرمين!
رغم اختلاف الفصول والنوايا
مهما قلبتِ أوراق الحكايا
ونقحتِ أقاصيص السفر
أرى حصادك للقناعة
أن ظُلمتي قدرٌ مقدر!
كم تغيرت كثيرًا
مثلما قلتِ قديمًا من أعالي الشجر
"ألقي لي أو لغيري
كيفما شئت نرد المشاعر
وحديثًا زائف الطين
تحت أنهار القمر
كنزُ الهوى فانٍ
وقصائد الليلِ وأرجوحة السفر
كنزُ الهوى فانٍ
ككلّ شيءٍ يموتُ… يندثر
هذا الحنينُ لن يستمر
ربما أحببتَني الآن كثيرًا أو يسيرًا
ربما أوقدتَني
مثل الزنابقِ عطرًا منيرًا
ربما…
إنما بذرة الموت ستنمو
والفناء دربنا بالمختصر
ويقينًا تخبو آبار العواطفِ
كلما جفّ الثمر
تمسي شرنقةً في سراديب القدر
حبلى بعشقٍ ناضبٍ لا يستعر
وفراشات عثٍّ من رماد الجمر"؛
قُلتِ ما قُلتِ فأمسيتُ القتيل
وامتطيتِ صهيل الرحيل
لنصبح ذكرى أشباحٍ وصور
كم تغيرت كثيرًا
في مسرح الدمى والعرائس
أبحث عن الخلاص
من وجهكِ والحبّ والوساوس
من عالمٍ أطماعُ أراذلهِ
معمدةٌ كالطفلِ في الكنائس،
أريد النجاة مما أورثتني من فراغ
لو بأقنعة ملطخةٍ بالأصباغ
وعيون زائفة الكحلِ
بمحاجر العوانس
أحلمُ بسكينةٍ تشابه المنون
قابرًا عشقك المدفون
مثل شبح يائس
يهيم في خرائب كوخٍ مسكون
ذبحتهُ فيه ساحرةٌ شمطاء
في لحظة سُكرٍ ناعس
لتبيعَ إكسير الشباب للعجائز
ذوي النفوذ الأثرياء
من يشعلون الحروب
ويملأون الأرض بالجنائز!
كم تغيرتُ كثيرًا
ذلك الطفل القديم انتحر
حمل الجنائز والنعوش
حدّ الإصابة بالضجر
مثل حفارٍ للقبور
رأى المنية أصل الثمر
من يلامس الأكفان صغيرًا
يمسُّهُ جنّ الرحيلِ
في مراثي الوتر
هل تذكرين يا نسرين
أبي وأماسي السمر؟
آه أبتي الحبيب
بجعبة حديثه الساحر
أغفى ونام بلا وداعٍ
في حفر المقابر
سرقتهُ الخواتيم والنهايات
وما أمسكتهُ أصابعي والأظافر!
عقرب الساعة مسمومٌ وغادر
خائنٌ للأرضِ
مثل حمضي المطر!
وأنا مثل اليتامى القساة
كبرتُ يا نسرينُ
نارًا لا تبقي ولا تذر
ومن يكبر بلا حكمةٍ
كالصحارى في تضاريس السفر
تطمسه العتمة وظلامي الفِكر
في مضمار الروحانية يتقهقر
هكذا صيرورة الحالِ
ولا حق لنا كيما نتذمر
أصنامًا مسمرةً
أمام هيراقليطس والنهر!
إنها غريزة التكيّفِ
بين ضباع البشر
في صراع البقاء المستعر
لابد من الانزلاق في المنحدر
ولا يلبثُ في شرنقة البراءة
إلا إنسان مُحتقر!
كم تغيرتُ كثيرًا
مثل مستودعٍ للأسلحة والذخائر
كان في الماضي حدائق زهر
تحت جلدي عبء ديدان الضغينة
تربّيها الوساوسُ اللعينة
تقلّبها بحزنٍ في منقلة الجمر
كما في أزقة الشوارع الكالحة العمر
تناسلت في تلافيف دماغي
وثكنات عقلي الشياطين الحمر
فمن الخطيئة أن تسالم
أمام حربٍ قبيحة المعالم
ليس من ردائها مفر
سترتديك أثوابها سرًّا وجهر
وأمام الإهانةِ
ما أقبح لِباس الصبر
في وجودنا الافتراضي
حِصننا الأوحد الوحيد
كان معانقة الشر!
آه يا نسرين ما البشرية،
إلا مرضٌ أصاب الكرة الأرضية
أفسدها بسفك الدماء
ونسغ الضغينة والكراهية
في محفل الشرور العالمية
حيث الكؤوس تُروى
من براميل خمر المنية
كنا نحتسي مشهد النهاية
في كلّ فجرٍ رضيع
لأن قرانا الإسمنتيّة
العليلة بالأسقف الصفيحيّة
تخافُ النداء في الأغنية
وتنسى أن اللغة المنطوقة
براقُ حضاراتٍ منسيّة
وكنتُ أحبكِ جدًا
كعذوبة أجراس الماء
تعزفها أبيات شعرٍ عربية!
أنتِ عطرٌ دامي كأحلام الثائرين
كعضة من القبلات في شتاء حزين
فلست أنساك ولا تقبركِ السنين
وأنا جثثُ الرمادِ في مجامر الذكرى
لعمركِ لن تذكريني في صقيع الحنين
ما أعقد الحبّ في عوالم المتكلمين!
وارتحلتِ بلا إخطار مسبق،
سوى النزوح إلى قواقع اليأس
كما ارتحلتْ من مشهدي اليومي البائس
مغادرةً مع الطفولةِ دعسوقةُ الخنافس
لقد هجرتِ مسرح آلامي
في الصفحة الباليةِ من الأمس
مغمورة النفس، بضباب السأم الناعس
بحكمة من أدرك أنّا فرادى متفرقين
في عالمنا الأحاديّ القطب يا نسرين
الفردانيّة والعزلة هي ملاذ العاقلين
على المرء ألا يكترث بآلام الآخرين
وجريمة الضحايا أنهم سذجٌ طيبين
لذا أمام زحف التصحر واليَبَاب
كان من المحتم أن أوصد الأبواب
وأربي في قواقع الذات الضغينة
وأحتمي بأدغالٍ كثيفة الأسباب
خلف ترسانة الحِراب والسباب
لقد أمسيت مسخًا مجردًا من المعنى
لا تنبض بقلبهِ الحشائش والأعشاب!
وهكذا هي الحكاية يا نسرين
كان يا ما كان
في فردوس الطفولة،
وفي الأماسي البعيدة،
قبل أزمنة الكهولة،
ثمّة إنسان، من فجر التاريخ إلى الآن
أبحر وحيدًا بلا خرائطٍ…
بلا بوصلةٍ أو عنوان
وضلَّ الدرب في جولوجيا الطغيان
فأصبح جبارًا شرسًا ينبضُ بالعدوان
لقد أضعت الطريق
حالمًا بفانوس الجان
ولن أستطيع الرجوع
تحطمت سفائني وتمزقت القلوع
كم تغيرت كثيرًا…
كم تغيرت كثيرًا…
نسيتُ تراتيل الشموع
دعاء أمي ووصايا أبي
وما في الروحِ
من نورٍ خافت السطوع
ومثل ناسكٍ مخدوع
لا أهتدي إلى أخلاق أحمدٍ
ولا أصفحُ مثل يسوع
أصبحتُ وحشًا يثيرُ مرآهُ الدموع!
في صراع البقاء
من لا يقسو، يعصرهُ الخنوع
ومعجم القوةِ لا يعرِّفُ الممنوع
وعفن الواقع معدٍ مهما نفت الجموع
ذلك الطفل الذي كان ملاكًا قد كبر
أصبح عِفريتًا يؤلف أفانين الغدر
مسخٌ شرير كقلب الإنجليز القذر
يقتل بلا رادع ويسرق بلا مبرر
هي الحقيقة الوحيدة يا نسرين
روحي بلا رحمةٍ مثل روح الإنجليز
تُغرق الصين بطوفان الأفيون المخدر
وتقطفُ الأحلام على حساب الآخرين
أجل يا نسرين
أنا رجلٌ لا يضمر لأحد خير؛
مسخٌ مظلمٌ يترصد طرقات الغير.
ورغم كل ما مضى
جيش الدمعة بأحداقي مُرتقبٌ كالفجار
على أحرّ من الجمر
يقاسي ثلجَ الانتظار
أريد أن أبكي كثيرًا
مثل طفلٍ انزلقت أقدامه للأبد
وفاتهُ في فجرِ الوجود قطارُ الأحرار
أريدُ الانخراط في البكاء
أنتحبُ نافورةً
من قيثارة الرحيل ورجع النداء
ولكنّي أصارع عفاريت البيداء
كلما أجهشت بالدمعةِ أذاعوا نصرًا
فأكتمُ أوجاع حبٍّ ترعرع سرًّا
وما الإنسانية إلا ضعفُ الضعفاء
في معجمِ الوحوشِ أبناء اللقطاء
نسرين يا انكسارة الندى
في ليالي المطر
عِشقُ قنفذٍ مثلي شائكُ الخطر
إنّ حبي جورٌ بلا عدالة
فأنا رجلٌ منهكٌ أصبح عالة
لم أحُزْ ما يكفي من البسالة
لأصرخ من مقبرة السلالة
بأنَّ قلب الأرض مأوىً لكل البشر
وما خلعتُ أقنعة الجهالة
لأكسر سراب أغلالي والضجر
من قمم الضلالة أنجو… أتحرر
أنا يا فاتنة المنجمين والغجر
مثل جنيٍّ تعتق في الأسر
وما عاد شيئًا كان مذكورًا
في قديم الأثر
آه يا نسرين في هذا السفر
من كان منسيًا
يعتاد الغياب من الصور
ينسى الحلم والظلال
ينسى الحقيقة والحياة
ينسى النبضَ والذكريات
في أضغاث رؤىً يعوزها النور
كما ينسى عينهُ الضريرةَ رجلٌ أعور
ينسى ولا يتذكر
فارسًا مخدر، على قنطرة العبور!
آه يا نسرين
يا وردتي الأخيرة في القفر
حيث الإبليس قهقه
من شبعٍ وانتصر!
نزعتُ جلد البراءةِ
وكلَّ ذكريات الصغر
وهبتُ للدياميس نفسي
ورقصت حول جثمان الطفولة
مكفّنةً بقطن الغيوم
محنّطةً بأزرار النجوم
مقمطةً بمِشبكِ القمر
أحرقتُ أحلامي مثل القرابين
تلك التي ما قُبلت من قابيل
ومن شراسة حرماني
ومن يأسي الدفين
احتضنتُ للأبد ظلال الشرّ!
لا تحزني نسرينُ، لا تحزني
هكذا شاء القدر….
هكذا تُعزفُ قيثارةُ الحنين…
هكذا هي الحياةُ في ملحمة البشر!
لابد من سقطة الكائن الآدمي
من فردوس البراءة وجنان الصغر